16/04/2009

النسيج الكوني ..!!


تخيل معي تجاربك في الحياة .. المواقف التي مررت بها .. الأشخاص الذين خالطتهم وعايشتهم واحتككت بهم .. تخيل معي الوقت الذي قضيته في هذه التجارب .. الأيام والساعات التي كانت تتسلل من الثقب الذي يحمل كفتيّ رمل .. كلما استفرغ جانب امتلأ الآخر .. تخيل معي جميع الحالات الانفعالية التي كانت تتقمصها شخصيتك وتستوعبها امكاناتك .. في لحظات الفرح وفي أوقات البؤس واليأس .. في ساعات الملل والضيق والضجر وأيام الانطلاق والتجديد .. تخيل معي ذاك القريب الذي التصقت أوقاته بأوقاته وتجانست كلماته بكلماتك وتوافقت أفكاره بأفكارك .. تخيل معي أعداءك الذي حاربتهم ودافعت عن نفسك أمامهم .. تخيل معي من علّمك وضحّى بالكثير لأجلك .. تخيل معي ذاك الذي همس في أذنك يوما ينصحك ويشد من أزرك ويرشدك بكل حب طريقاً لربما غفلت عنه .. تخيل معي الكلمة التي غيّرت مفاهيم كثيرة لديك .. تخيل معي ذلك المشهد الذي فتح أمامك أبواب كثيرة ومهّد طريقاً كان محفوفا بالمخاطر .. تخيل معي البرنامج الذي قضيته واستمتعت فيه وعشت في أجواءه وانصهرت روحك مع كل شيء فيه وأصبح درّة بين ذكرياتك .. تخيل معي تلك المجالس التي كنت تأنس بالجلوس فيها والاستمتاع بها .. تخيل معي ذلك الصوت الذي ذاب في وجدانك وغرس في قلبك أجمل الأبيات وحرث في روحك تربة الجمال لديك .. تخيل معي منظراً كان يؤلمك ويشعرك بالضعف وظل يراودك كلما عدت إلى نفس المكان .. تخيل معي تلك الأماكن التي سبحت فيها روحك وطارت جنحانك المرفرفه وحلقت في أرجاءها .. تخيل معي سطرا كتبته .. رسما رسمته .. بيتا نظمته .. عشا بنيته .. تخيل معي كيف كانت تسوقك الأيام إلى نهايات غير متوقعة .. أو ربما تجرّك إلى بدايات صعبة وعسرة .. تخيل وتخيل وتخيل حتى تعود الروح إلى تلك الأزمنة الضائعة في بحر الحياة وإلى تلك الأمكنة والأطلال التي هجرتها !!!
/
كلها كانت خيوطا نسجت كل أفكارك ومشاعرك وآراءك وقناعاتك وشخصيتك وكلماتك .. لماذا كانت كالخيوط ؟ لماذا كانت نسيجا ولم تكن مادة أخرى ؟ لماذا هذه الفكرة بالتحديد ؟ ألم تسأل نفسك أن حياتك وحياتي بدأت بلحظة وثانية ودقيقة وساعة ويوم ؟ وستنتهي بلحظة وثانية ودقيقة وساعة ويوم ؟ ألا يوحي ذلك بأن الخيط له بداية ونهاية ؟ كذلك حياتي وحياتك وعمري وعمرك تجاربي وتجاربك أيامي وأيامك كلها كانت خيوطا متشابكة بدأت مع أشخاص وانتهت إلى أشخاص .. بدأت بأماكن وانتهت بأماكن أخرى .. بدأت في وقت محدد وانتهت ولربما ستنتهي بأوقات مختلفة .. كل تجربة لديك هي خيط رفيع يربط في حزمة من التجارب الأخرى التي هي بالتالي خيوط أخرى .. كل موقف وكل شعور وكل الذي مررت به .. هي خيوط ستنسج بها لوحتك أو ربما ملبسك الذي تستتر به .. كلها كذلك بألوان مختلفة وأحجام متغيرة وأنواع وأشكال متجانسة أو غير متجانسة !!
>
وإذا كتب الله عز وجل لخيط من هذه الخيوط أن تبدأ به تجربة أو يلتف حول موقف جُعل خطا فريدا في لوحتك وأدخله الله في " سم الخياط " كما جاء في الحديث الشريف الذي قال فيه نبينا الكريم " لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " .. وهذا تعبير لمدى استحالة أمر ما .. ولكن تلك الخيوط ستبدأ بدخولها سم الخياط وغرزها وتطريزها بين خيوط أخرى يشد بعضها بعضا في مساحة عمرك التي كتبها الله لك .. ففي نهاية الأمر ما خيوط العمر تلك إلا خيط ضمن حزمة خيوط أخرى من تجارب بشرية تجري وتسير إلى جانبك كما تجري أنت وتسير إلى جانبها .. من نفس البكرة التي تحمل تلك الخيوط .. ولربما افتلتت بكرة أحدهم وأخذت منها أنت ما تريد .. ولو أن تلك الخيوط كانت مجهولة البدايات وليست لها نهايات .. لاختلط الحابل بالنابل وتشعّبت الأواخر بالأوائل وساح صلب وتجمد سائل !!
.
ولنجعل الصورة أكبر فأكبر .. ونضع تلك التجارب والتاريخ الطويل العريض من أول الخيط الذي ولدت به البشرية إلى نهايته .. في كوننا الفسيح ليكون خيطاً من عدة خيوط تتصل بعضها ببعض كنسيج كوني من كواكب ونجوم ومخلوقات لم يثبتها العلم باليقين .. إلى مجرات كبرى أطلق عليها كثير من العلماء " النسيج الكوني " والذي وجد في القرآن الكريم كما جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية " والسماءِ ذَاتِ الْحُبُكِ " فقال أي حُبكت بالنجوم .. ألا توحي هذه الكلمة " ذات الحُبُك " بأن هناك نسيج كوني مترابط متصل متجانس متوافق متكامل متناغم متشابك يرسم بخيوطه لوحة إلهية يصعب على مثلي ومثلك أن يصل إلى منتهى تلك المنظومة الكونية !!!
.
لنعد إلى النسيج الكوني وخيوطه أوليست تدور دوران معاكس في بكرتها ؟ أوليست تخرج إلى نسيجها وإلى تشكّلها من البكرة بدوران تصاعدي أو باتجاه أمامي ؟ كما أن العكس يعود بها إلى الوراء وإلى الخلف ؟ هل هذا ما أفهمه من تفسير الآية الكريمة " إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ " عندما بحثت عن تفسير هذه الآية الكريمة تخيلت أنني أمام بكرة كبيرة منها تتشكل الأشياء ومنها ترسم اللوحات وتتلون وتتناغم بعضها ببعض جاء في تفسير هذه الآية : (( الخلق المعنيّ في الآية الكريمة هو خلق الوجود القائم بما فيه من سماوات وأراضٍ وليس خلق الناس بمعنى أن الله عز وجلّ يعيد خلق الكون إلى سابق عهده أو إلى الحال الذي كان عليه قبل نشوء مادته ليكون والعدم سواء ، ثم لينشئ من بعده الدار الآخرة التي تقوم في نشوئها لخدمة جزاء الأنفس إمّا بالثواب أو بالعقاب وصورت الآية الكريمة عن أحداث قيام الساعة وأثرها على المادة الكونية لحظة عودتها كيوم كانت قبل نشوئها ، كما بينت أن الخلق المشار إليه في الآية الكريمة هو خلق المادة المكونة للسماوات والأرض وليس خلق الناس لسبب أن الأولى أشد وأعظم خلقا من الثانية ثم ينشئ الله عز وجلّ مكانها الدار الآخرة بما فيها من سماوات وأرض جديدة وتختلف في بعدها الزمني كونه المؤثر الرئيس في تشكيل ماهيّة نشئها عن مادة الوجود القائم ))
.
هذا ما جاء في تفسير هذه الآية وكما قرأت من قبل أن مادة الكون هي عبارة طاقة موجبة الشحنة .. والفراغ الذي في الكون هو شحنة سالبة وهناك ترابط جوهري بين الزمان والمكان .. كل ذلك يدعو إلى أننا أمام نسيج كوني مترابط متنجانس متناغم متشابك متواصل البدايات والنهايات لا تنفك عنه إلا حواجز زمنية ومكانية تحجبنا عن طرفيّ الخيط .. والله جل في علاه يعيد هذا النسيج الكوني إلى سيرته الأولى ويعيد خلقه كما يعود الخيط الذي نسج به الكون إلى البكرة التي خرج منها .. وهناك خيوط مقصوصة ولكنها تشكّل جزء من النسيج الكوني تنصهر وتذوب في أجزاءه !!






لست أستعرض ذلك من باب السبق في البحث العلمي والكوني أو التفسير البحت للمنظومة الكونية .. فلست بباحث ولا بعالم ولم أخض تجربة فضائية لا في السماء ولا على الأرض .. وإنما هي سباحة في فضاء خيالي الذي لم يرسو إلى مرفأه ولم ينزل على ميناه .. يعشق أن تبلل وريقاته بحبر نازف تجرّه الأخيلة المترامية ويسحبه الخاطر من حيّز قارورته إلى فسحة أوراقي البيضاء .. لحظة أراجع بها الدنيا كالذي يحاول جاهدا أن يقلّب البلّورة بلا كلل ولا ملل حتى يرى ما تخفيه من أعاجيب كثيرة ومن صور يصعب على النائم أن تأتيه في المنام كما يصعب على الغافل أن تأتيه مع أسراب الحمام .. إنما هو تبحّر في الذات وفي قوالب الذات التي تجمعني وتضم شتاتي .. لعلنا نجد أن الخيط الذي كتبنا عنه في يوم من الأيام هو نفس الخيط الذي يوصلنا إلى نهاية البكرة التي تلتف حولها جميع الخيـــوط !!


Meshary
14/5/2009


>

05/04/2009

صورة وتعليق


فيصل المسلم : أبْك ما بقى إلا أنت !!
صلاح خورشيد : بابا خلاس .. ليش عسّبت انتا .. اهوا غلتااان
مخلد العازمي : يا ولد شالسالفة ؟؟ تبي الفزعة وانا ولد عطا ؟؟ أجيب الموتر؟


العيار : أبله أبله أبله .. شوفي اهوا طقني أول
العمر : أبله ما تشوفين !! هذا حذف الكلينكس وانا ساكت
بورمية : قسم بالله مو انا لا تصدقينه .. والله مو انا

البراك والمسلم : يا قوووم .. يا قوووم
قريش تحشد وجنود أبا جهل تستعد للمعركة
جاسم الخرافي : ههه وناسه .. يونسون :)
.

جمال العمر : شفتوا !! خلكم شاهدين ها !!
يقولون أشتري أصوات .. وانا ساكت

بورمية : تعال لا أستجوب ولد عم جدّك ما عندي مشكلة

. .
وااسلّم قلبااه .. وااااي يا حلوه البشت عليك
وازينه وازييينه يهبببببلل
شلون أمك ؟ شخبارها ؟ عمتك غااطه سلّم عليها ؟

خخخخخ مساكين
قصيت عليهم عبالهم سلفي


ماني بمن ياتي ولا يدرى به .. شطر حفظته ولا اعرف كتّابه
شطر يناسبني لمثل هالليلة .. واشوفني في ذا المكان أولى به
الطبطبائي : خل نسحب الكرسي ويطيح ههههه

إفففف .. ريحة بالمجلس واحد من النواب خيسنا
هوّنا ماكو جلسة اليوم

الصرعاوي : هدوووني أميطااه .. هدوني عليه أوريه شغل الله
الطبطبائي : هوشة بايخه ما فيها جواتي .

:)

02/04/2009

النفس البشرية بين الفلسفة والقرآن الكريم


النفس البشرية بين الفلسفة والقرآن الكريم (2)


ولنبحر الآن مع القرآن الكريم عبر بعض النصوص القرآنية التي ترد فيها كلمة النفس ومشتقاتها، وكلمة الروح ومشتقاتها :
1- النفس في القرآن الكريم مستقلة عن الحياة الجسدية .. قال تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) الزمر : 39/42 - فأثناء النوم – كما يقول القرآن الكريم – تكون النفس خارج الجسد ، وعلى الرغم من ذلك نرى أن جسد الإنسان لا يفقد الحياة والنمو .. وعلى الرغم من استقلالية النفس عن الجسد في القرآن الكريم ، فإن القرآن الكريم لم يغفل تعلق النفس بالإطلالة الحسية على عالم المادة من خلال الجسد .. فالنفس تشتهي وتأكل عن طريق الجسد .. قال الله تعالى : ( أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون ) - السجدة : 32/ 27 –


2 – النفس الإنسانية موجودة قبل حلولها في الجسد ، فنفوس جميع البشر دون استثناء موجودة منذ أخذ الله تعالى العهد والميثاق على الإنسان في عالم ما وراء المادة والمكان والزمان .. لننظر إلى قول الله تعالى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين <172> أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) الأعراف : 7/172-173- وموت النفس يكون بخروجها خروجا نهائيا من الجسد ، مع خروج الحياة منه .. وتعود النفس إلى عالمها ما وراء المادة والمكان والزمان ، ويعود الجسد إلى مادته التي خلق منها وهي التراب .. لننظر إلى قول الله تعالى : ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ) الأنعام :6/93-


3 – النفس في القرآن الكريم لا تأتي مرتبطة – من بين جميع المخلوقات – إلا بالإنسان ، فلا يوجد نص قرآني واحد يدل على أن للحيوانات أنفسا .. بالإضافة إلى أن هناك إشارات تدل على أن النفس مسألة تخص الإنسان فقط من بين جميع المخلوقات .. لننظر إلى قول امرأة العزيز في القرآن الكريم : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ) يوسف : 12/53 – إن العبارة القرآنية (إن النفس لأمارة بالسوء ) تشير إلى ارتباط النفس بالإنسان فقط ، لأن الحيوانات تشتهي بغريزتها ، ولا يوجد لديها أمر بالسوء أو بغير السوء .. ولننظر إلى قول الله تعالى : ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ) المائدة : 5 /32 -


إننا نرى ورود النفس في هذه الصورة القرآنية بصيغة النكرة ( نفساً ) التي تفيد الإطلاق ، وأنه من يقتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً .. فلو كانت الذبابة نفساً فسيكون حكم من يقتلها كحكم من يقتل الناس جميعاً .. وكما يؤكد القرآن الكريم فإن الإنسان هو من يُحاسب يوم القيامة ، لأنه هو المكلف في الحياة الدنيا من بين جميع المخلوقات المحسوسة في هذه الدنيا .. وورود كلمة النفس في النص التالي بالصيغة المطلقة التي تشمل كل نفس دليل على أن النفس خاصة بالإنسان من بين المخلوقات الأخرى المحسوسة في هذا الكون .. ( ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد <20> وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد <21> لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق : 50 /20 – 22 –


4 – ما يؤكد أن النفس جوهر مستقل عن المادة ، هو أن الإنسان بعد الموت لا يحس بسيلان الزمن ، فالموت الذي يعني خروج النفس خروجاً نهائياً من الجسد ، يعني أيضاً خروجها خروجاً نهائياً من إطار المكان والزمان .. لننظر إلى النصوص القرآنية التالية :

- ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام ... ) البقرة : 2/259

–( يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون ) الروم : 30 / 55 –

- ( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ) يونس : 10/ 45 –


5 – لما كانت النفس خاصة بالإنسان من بين المخلوقات المحسوسة ، فإن العقل مسألة خاصة بالإنسان من بين هذه المخلوقات ، لأن قوة التعقل ترتبط ارتباطاً كاملاً بالجانب المجرد للنفس .. ولذلك فعدم تعقل الإنسان يجعله كالأنعام .. لننظر إلى قول الله تعالى : ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ً) الفرقان : 25 /44 وترتبط بالنفس أيضاً قوة الشهوة ( المجردة عن الغريزة ) والهوى .. لننظر إلى قول الله تعالى :

- ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ) الزخرف : 43 /71 –

- ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ) النجم : 53 /23 –


6 – كما رأينا أن النفس بوجهها المجرد مستقلة عن الجسد وحياته ، فإن الروح في القرآن الكريم مستقلة عن النفس وعن الجسد .. وكما رأينا أن النفس تميز الإنسان عن باقي المخلوقات ، نرى أن الروح – كما يصورها القرآن الكريم – تميز البشر عن بعضهم بعضاً .. فالروح في القرآن الكريم خاصة بالمقربين من الله تعالى دون بقية البشر .. لننظر إلى النصوص القرآنية التالية ...

- (ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) النحل : 16 / 2

- (رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاقِ ) غافر : 40 / 15 –

- (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروحٍ منه..) المجادلة : 58 / 22 –

ففي الصورة القرآنية الأخيرة نرى العبارة (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروحٍ منه)، فالروح أُيد بها هؤلاء بعد أن كُتب الإيمان في قلوبهم ، وهذا دليلٌ على أن الروح هي بمعنى الصلة والقربة من الله تعالى ويتم التأييد بها بعد وقوع الإيمان الصادق . وما يؤكد أن الروح تعني الصلة الأمينة والقربة مع الله تعالى ، هو وصف جبريل عليه السلام بالروح الأمين ، أي الصلة الأمينة بين الله تعالى وبين البشر .. لننظر إلى قول الله تعالى .. ( نزل به الروح الأمين <193> على قلبك لتكون من المنذرين ) الشعراء : 26 / 193-194


ولما كانت كلمة الروح في القرآن الكريم تعني الصلة والقربة من الله تعالى ، فإن إضافة هذه الكلمة لله تعالى أعطتها خصوصية خاصة بها ، بأنها لا يعطيها إلا الله تعالى ، شأنها بذلك شأن المسائل التي أُضيفت إلى الله تعالى ، كالبيت الحرام ، والناقة التي أُرسلت بينة مع صالح عليه السلام .. لننظر إلى قول الله تعالى : ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ) البقرة : 2 / 125

- ( قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية .. ) الأعراف : 7 / 73 وهذه الروح التي يؤيد بها الله تعالى المقربين منه ، نُفخت في آدم ، وأُيد بها عيسى عليهما السلام .. لننظر إلى النصوص القرآنية التالية ..

- ( وإذ قال ربك للملائكة إني خالقٌ بشراً من صلصالٍ من حمإٍ مسنون <28> فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين )الحجر : 15 / 28-29

- ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ) البقرة : 2 / 87 ( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه ) النساء : 4 / 171

وما يؤكد أن الروح تعني العطاء الخالص من الله تعالى ، صلةً وقربةً منه .. هو النص القرآني التالي .. ( يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من رَوح الله إنه لا ييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون ) يوسف : 12 / 87 إن الرَّوح من مشتقات الروح .. وواضحٌ أن العبارة القرآنية ( رَوح الله ) تعني مدد الله تعالى وصلته والقربة منه .. وفي النص القرآني التالي نرى أن هذه القربة إلى الله تعالى لا ينالها بعد الموت إلا المقربون .. ( فأما إن كان من المقربين <88> فرَوحٌ وريحانٌ وجنة نعيم ) الواقعة : 56 / 88-89

وفرق القرآن الكريم بين الإرادة كقوة مجردة تنبع من النفس المجردة عن المادة ، وبين المشيئة كقوة مادية ساحتها عالم الوجود المكاني والزماني ، نتيجة تنفيذ الإرادة في هذا العالم الحسي .. وبما أن العالم المجرد الذي تنتمي إليه النفس المجردة ، لا يقبل المتناقضات للمسألة الواحدة ، فإن الإرادة كقوة تنبع من هذه النفس المجردة ترد في القرآن الكريم بجميع صيغها بحيث لا تحمل المتناقضات للمسألة الواحدة .. فلا توجد عبارة قرآنية واحدة ترد فيها مشتقات الإرادة بحيث يتم عطف مسألتين متناقضتين على هذه الإرادة .. لننظر إلى قول الله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) البقرة : 2 /185

إننا نرى أن اليسر والعسر كمسألتين متناقضتين ارتبطتا بإرادتين مستقلتين ، وذلك بورود كلمة يريد مرتين مرة لليسر ومرة للعسر .. أما المشيئة كتفاعل مادي في هذا العالم الحسي الذي يحوي المتناقضات ، ترد في القرآن الكريم أحياناً بحيث تحمل المشيئة الواحدة مسألتين متناقضتين ، أي من الممكن عطف مسألتين متناقضتين على مشتق من مشتقات المشيئة في القرآن الكريم .. لننظر إلى قول الله تعالى ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) الرعد : 13 / 39 ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) المدثر : 74 / 37

إننا نرى أن المحو والإثبات كمسألتين متناقضتين تم عطفهما على مشيئة واحدة ، وكذلك الأمر بالنسبة للتقدم والتأخر ... وهكذا نرى أن القرآن الكريم ميز بين ثلاثة عناصر مختلفة :

الجسد الحي : ويشترك فيه الإنسان مع الحيوان .
النفس : ويتميز بها الإنسان عن الحيوان .
الروح : ويتميز بها المقربون من الله تعالى عن باقي البشر .

هذه هي – حسب ما أرى – أهم الرؤى الفلسفية والحياتية لمسألة النفس ، وأهم ما أدركته من وصف القرآن الكريم لهذه المسألة .. واعتبر هذه المحاضرة باباً للحوار ، قد ندخل من خلاله إلى مفاهيم جديدة ، قد تكون أكثر إدراكاً لمراد الوصف القرآني لمسألتي الروح والنفس ، وأكثر إحاطةً للرؤى الحياتية والفلسفية لهذه المسألة ..
.
مهندس عدنان الرفاعي
سورية

النفس البشرية بين الفلسفة والقرآن الكريم


النفس البشرية بين الفلسفة والقرآن الكريم (1)


معرفة النفس اختراق للذات ، وسفر خارج حدود الزمان والمكان .. والحديث عن النفس أساس فلسفة الوجود ، ومحاولة لاختراق سر الحياة .. إن البحث عن حقيقة النفس يختلف تماماً عن البحث في أي مسألة كونية حسية ، لأن ساحة العلوم الكونية هي المادة ، أما النفس – كما سنرى – فمجردة عن المادة .. ولذلك سنتعرض في بحثنا عن النفس إلى الفلسفة والرؤى الحياتية من منظار علمي ، وإلى القرآن الكريم .. في معظم الديانات القديمة كانت النفس – باعتقاد معتنقي هذه الديانات – مستقلة عن الجسد .. ففي الديانات الفرعونية كان الاعتقاد بأن النفس ترتفع إلى السماء ، وأن الجسد تناله الأرض .. فالمصريون القدماء كانوا يعتبرون النفس ذات أربع شعب :

1 – الروح .
2 – العقل والإرادة .
3 – صورة من الأثير على هيئة الجسم تماماً .
4ـ الجوهر الخالد وهو ما يشترك فيه الإنسان مع الآلهة .

والبابليون كانوا يعتقدون أن نفس الإنسان تنفذ من القبر ، وبالتالي فالنفس غير الجسد لأن الجسد لا ينفذ من القبر .. ومن معتقدات القدماء الصينيين أن أرواح الأموات تنفصل عنهم بعد موتهم وتبقى في الدنيا مع أسرهم .. وفي الديانة الطاوية التي أسسها الفيلسوف الصيني (لاوتسي) في القرن السادس قبل الميلاد ، والتي يُعتقد فيها بتناسخ الأرواح ، فإن لكل إنسان ثلاث أنفس هي :

النفس العاقلة : ومقرها الرأس .
النفس الحساسة : ومقرها في الصدر .
النفس المادية : ومقرها في المعدة .


وفي الديانات الهندية تُعد النفس مستقلة عن الجسد ، فمسألة تقمص الأرواح التي تُعد القاسم المشترك لكل الفلسفات الهندية ، مبنية أصلاً على استقلال النفس عن الجسد .. يقول كريشنه الذي وُلد حوالي سنة (4800) ق.م من امرأة عذراء حيث حلَّ الإله في جسده كما يعتقد الهنود .. يقول : (إن الجسد الذي تهبط إليه النفس شيءٌ زائل ، أما النفس التي لا تدركها العين فهي أبدية .) ويقول أيضاً : (إذا انحل الجسد بالموت ، طارت النفس التي تتغلب عليها الحكمة إلى الطبقات العليا ، التي يرى فيها الأتقياء الله ، ويدركون كماله ، وإذا كانت الشهوات متغلبة على النفس فإنها تُرد ثانية إلى الأرض .)

وفي المذهب الأوبنيشادي الصوفي الهندي ، يُنظر إلى النفس على أنها كونية شاملة موجودة في كل كائن ، وبناءً على ذلك فالإنسان عينه يكون موجوداً في كل كائن من النبات إلى الإله .. لننظر إلى النص التالي من هذا المذهب : (نفس المخلوقات واحدة ، إلا أنها ماثلة في كل مخلوق ، وهي في الآن عينه وحدة وتعدد ، كالقمر الذي يتلألأ على صفحة المياه .)

وفي الفلسفة اليونانية اعتبر سقراط النفس حقيقة مجردة مستقلة ، فالإنسان الحقيقي عند سقراط هو النفس وليس الجسد .. ووضع أفلاطون مبدأ الثنائية في الوجود ، فميز تمييزاً قاطعاً بين النفس والجسد .. لننظر إلى النص التالي الذي يبين هذه المسألة : (النفس تشبه أقرب الشبه الإلهي والخالد والمعقول وذا الطبيعة الواحدة – أي البسيط غير المركب – الذي لا يتحلل والذي هو هو ذاته ودائماً على نفس الحال ، أما الجسد يشبه أقرب الشبه ما هو إنساني ، وفإنه متعدد الطبيعة وغير معقول ولا يبقى أبداً هو هو على نفس الحال )

وفلسفة أفلاطون تَعدَّت الفصل بين النفس والجسد إلى وظائف النفس وعلاقاتها مع الجسد ، فأقام تعارضاً بين النفس والجسد ، معتبراً كل ما يخص الجسد يحمل بذور الشر والتعاسة .. فعلاقة النفس بالجسد ليست علاقة ارتباط عضوي بل علاقة صراع .. فالنفس عند أفلاطون كيان مفكر ، كانت تعرف المثل الجوهرية في عالم المثل قبل حلولها في الجسد .. وهكذا فالمعرفة –عنده – هي إحدى الوظائف الجوهرية للنفس .. ولكن أفلاطون رأى أن النفس تقوم بوظائف ثلاث تتعارض أحياناً ، هي : المعرفة والإرادة والشهوة ، فرأى أنه من غير المعقول أن يقوم بهذه الوظائف الثلاث العضو نفسه في النفس .. وهكذا على الرغم من أن أفلاطون قد اعتبر النفس لا تتحلل ولا تتجزأ ، إلا أنه عاد فاعتبرها مكونة من أقسامٍ ثلاثةٍ :
1- المبدأ العاقل
2- المبدأ الغضبي
3- مبدأ الشهوة

وعاد أفلاطون فقال إن مبدأ العقل يسيطر على المبدأين الآخرين ، وأن القوة العاقلة في النفس هي وحدها الجديرة باسم النفس ، وأن النفس خالدة بقسمها العاقل فقط ، وبالتالي فالإنسان الحقيقي هو العقل .. وما دفعه إلى هذه الأقوال هو التوفيق بين قوله إن النفس لا تتجزأ ، وبين قوله إنها مكونة من ثلاثة أقسام .. أما الفلسفات التي أنكرت النفس ككيان مستقل عن الجسد ومجرد عن المادة ، فتتمثل في الفلسفات المادية الإلحادية ، التي تنكر أصلاً وجود ما وراء عالم المادة والمكان والزمان .. فوجود عالم غير العالم المادي يهدم فلسفتهم المادية التي تزعم بسرمدية المادة والزمان والمكان .. هذا – باختصار شديد – مرور سريع على أهم الرؤى الفلسفية بالنسبة لمسألة النفس وعلاقتها مع الجسد ..

ولننظر الآن إلى النفس وعلاقتها بالجسد من منظار الرؤى الحياتية والعلمية لعلاقة أحاسيسنا المختلفة بالجسد ومكوناته .. لاشك أننا نحس باللذة والألم عبر عناصر أجسادنا المادية .. فصحة الجسد ومرضه، عوامل مادية تجعلنا نتأرجح بين الراحة من الألم وبين الخضوع لسيطرته .. وغريزة الشبع والجوع لا نستطيع التعامل معها إلا عبر مادة الطعام .. ولا شك أن حواس البصر والسمع والذوق والشم واللمس هي مفاتيحنا للدخول إلى هذا العالم المادي .. ولا شك أن إحساسنا بالزمان والمكان متعلقٌ بجسدنا المادي من جهة ، وبالعالم المادي المحيط بنا من جهة أخرى .. فسيلان الزمن – بالنسبة لنا – هو إدراكنا للتغيرات المادية المحيطة بنا ، من منظار تفاعلنا مع التغيرات المادية لمادة أجسادنا .. إذاً تتفاعل أنفسنا مع الزمن وفق بُعدين :

الزمن الداخلي : وهو ناتجٌ عن تفاعل النفس مع طبيعة الجسد وماهيته وحركته ، حيث تدرك النفس انسياب زمنها الداخلي نتيجة لهذا التفاعل .. والزمن الداخلي لكل نفس ، هو الأساس والميزان الذي نقيس عليه الزمن الخارجي الذي نتفاعل معه عبر حواسنا .. فإحساس الإنسان بالزمن وهو مريض يختلف عن إحساسه بهذا الزمن وهو معافى ، مع أن المحيط المادي هو ذاته في الحالتين ..

الزمن الخارجي : وهو ناتجٌ عن إدراك النفس – عبر حواسها – لحركة المادة خارج الجسد ، ويتبع ذلك للوضع المكاني لها ، ولنسبية حركتها ، بالنسبة للعالم الخارجي - خارج الجسد – وتقدر النفس سرعة انسيابه بالنسبة لزمنها الداخلي ..

وكلامنا هذا ليس فلسفة تصورية مادتها الخيال ، إنما حقيقة علمية رياضية أُثبتت بالتجارب ، فالنظرية النسبية لآينشتاين وضعت المعادلات الرياضية التي تربط سرعة الحركة بانسياب الزمن وبتغير شكل المادة وكتلتها .. فلو وضعنا إنساناً في مركبة فضائية تسير بسرعة كبيرة جداً ، وقريبة من سرعة الضوء ، فإن إحساسه بالزمن يختلف عن إحساسنا نحن البعيدين عن الخضوع لهذه السرعة .. فعلى سبيل المثال لو كانت سرعة المركبة هي (240000) كم/ ثا ، لكانت كل (10) دقائق في عالمنا تقابل (6) دقائق في عالم المركبة ، ومع ازدياد سرعة المركبة يزداد الفارق ، حتى إذا بلغت سرعة المركبة سرعة الضوء خرج هو ومركبته من إطار المادة والمكان والزمان ، وأصبحت الثانية في عالمنا تقابل اللانهاية من السنين في عالمه ..

وهذا المسافر في المركبة لا يحسّ بتغير الزمن لأن الزمن الداخلي الذي يحسّ به نتيجة تعرض مادة جسده لهذه السرعة الهائلة ، يساوي تماماً تغير مادة عالم مركبته المدفوعة هي الأخرى بالسرعة ذاتها ، ولذلك يحصل توازن ما بين زمنه الداخلي والخارجي ، فلا يحس بأي تغير في انسياب الزمن .. أما لو أُتيح له النظر إلى عالمنا فسيرى أن زماننا يتسارع مقارنة مع زمنه ، وذلك بنسبة تتعلق بسرعة مركبته .. فلو كانت سرعة مركبته مثلاً قريبة جداً جداً من سرعة الضوء ، فإن الزمن اللازم عنده لشرب فنجان من القهوة في مركبته ،يراه قد مر سنين كثيرة على عالمنا عندما يعود إلى هذا العالم.

هذه الفلسفة العلمية المثبتة رياضياً نستطيع التحقق منها يومياً أثناء نومنا .. فعندما ننام ينتهي إحساسنا بانسياب الزمن وينتهي تفاعلنا مع تغير عناصر المكان فبعد مرور فترة من نومنا يأخذ الجسم حاجته الكاملة من الراحة ، بعد هذه الفترة لا نحس بعد أن نفيق من نومنا بمقدار الزمن الذي مر علينا أثناء هذا النوم سواءً كان يوماً أم مائة عام ، وفي هذا أكبر دليل على أننا في تلك الفترة كنا – كجوهر مجرد من مادة الجسد – خارج حدود الزمان والمكان .. وبالتالي فجوهر الإنسان (نفسه) ليس مادياً على الإطلاق فلو كان هذا الجوهر مادياً حتى بأيِّ نسبة لكان هناك إحساس بالزمن يقابل هذه النسبة لأن إدراك الزمان والمكان يقتضي مادة تتحرك مكوناتها ضمن حيز من المكان ..

والنفس أثناء النوم على الرغم من وجودها خارج الجسد فإنها تعود إلى الجسد فور تعرضه لمؤثر خارجي كافٍ لعودتها ، وبعد هذه العودة تحس بالعالم خارج الجسد ، أما إذا كان المؤثر الخارجي غير كافٍ لعودتها فإننا لا نحس به إطلاقاً .. ولذلك نرى أنه حين خضوعنا للتخدير الجراحي لا نحس إطلاقاً بالألم على الرغم من تعرض أجسادنا للعمل الجراحي ، وسبب ذلك أن أنفسنا كانت أثناء التخدير خارج أجسادنا ، وحين عودتها إلى هذه الأجساد بعد زوال تأثير مادة التخدير ، يبدأ إحساس أنفسنا بالألم ..

وعلى الرغم من أن التخدير يكون من خلال المادة ، إلا أن هذه المادة تؤدي إلى خروج النفس من الجسد بدليل عدم إحساسنا بالألم ، وفي هذا دليل على أن هناك علاقة بين النفس والجسد .. هذه العلاقة هي من منظار العالم المادي الذي ينتمي إليه الجسد هي علاقة مادية ، بدليل أن مادة التخدير أخرجت النفس من الجسد .. وهي من منظار العالم المجرد عن المادة الذي تنتمي إليه النفس ، هي علاقة غير مادية على الرغم من أنها تؤثر على مادة الجسد ، والدليل هو إحساسنا بالنشوة والألم حينما نفرح ونحزن عند سماعنا للأخبار السارة والحزينة ، وهذا الفرح والحزن يؤثر على فيزيولوجيا الجسد، فكم من مرضٍ عضوي كان منشؤه نفسياً ، وكم من حالةٍ نفسية ساهمت في علاج أمراضٍ عضوية .. ودليلٌ آخر على أن النفس جوهر غير مادي ، وتحس باللذة والألم في هذا العالم المادي عبر مادة الجسد ، هو أننا أثناء أحلامنا في النوم نحس باللذة و الألم على الرغم من أن الجسد لم يتعرض لأي مؤثر مادي يؤدي إلى تلك الأحاسيس ..

إذاً الذي يحس بالألم واللذة ليس الجسد ، وإنما النفس .. ولكن الجسد هو الباب الذي تعبر منه النفس في أحاسيسها إلى هذا العالم المادي عبر الحواس المعروفة .. وهذا لا يعني أن النفس محتاجة في أحاسيسها في العوالم غير المادية لهذه الأبواب الحسية .. ففي النوم - كما قلنا – يتم الإحساس دون هذه الأبواب الحسية ، على الرغم من أن الجسد أحياناً يستجيب لتلك الأحاسيس ، فعندما نفيق نجد أجسادنا – أحياناً – وكأنها هي من تعرض للتأثيرات التي رأيناها في المنام، وهذا – كما قلنا – يتعلق بالعلاقة بين النفس والجسد ..

إن ما نريد قوله هو أن النفس في المنام ترى دون آلية العين الضوئية ، وتسمع دون آلية السمع الأذنية .. وتمارس كل أحاسيسها دون آليات الجسد الحسية ، ودون التأثير المادي للعالم المادي المحيط بأجسادنا .. إذاً الجسد بحياته ونبضه وحركة مكوناته الداخلية ، ليس أكثر من وعاءٍ للنفس التي تنتمي لعالمٍ غير مادي .. والجسد يعمل بأمر هذه النفس ويستجيب لشهواتها ورغباتها ، وبالمقابل فإن النفس عندما تحل بهذا الجسد تصبح محكومة لإطار المكان والزمان الذي ينتمي إليه الجسد .. فحركتنا في هذه الحياة تتكون من وجهين متمايزين :

1- حركة لا شعورية ترتبط بحياة الجسد من حركة للقلب وغيره من أعضاء الجسم ، وهذه الحركة لا علاقة للنفس بها ، بدليل بقاء هذه الحركة مستمرة أثناء النوم .

2- وحركة إرادية تقوم بها النفس عبر الجسد .

وأفضل تشبيهٍ للعلاقة بين النفس والجسد ، هو العلاقة بين السائل والوعاء الذي يُوضع به هذا السائل .. فالسائل هو الذي يعطي الوعاء الوظيفة التي صُنع من أجلها ، والوعاء هو الذي يحجز السائل داخل جدرانه ويمنعه من الانفلات ، ويفرض عليه شكل سطحه الداخلي .. وما يؤكد أن النفس جوهر غير مادي ، وأن الجسد ليس أكثر من وعاء لها ، هو أنه بتطور العلوم الطبية أصبح من الممكن نقل الأعضاء من إنسانٍ لآخر ، واستبدال بعض الأعضاء كالقلب والكلى بأجهزة من صناعة البشر .. وعلى الرغم من ذلك لا يتبدل الإنسان كنفسٍ عاقلة مدركة نتيجة استبدال بعض أعضائه ..

إذاً القوة العاقلة المدركة التي تقف وراء استقراء الإنسان وتعقله وشهوته ، هي قوة تابعة للنفس المجردة عن عالم المادة ، فالعقل والإرادة ودوافع الشهوة (دون الغريزة) ، كل ذلك يصدر عن النفس . وكما أن الجسد بكليته وبحركته وحياته وعاء للنفس ، فإن الدماغ وعاءٌ للعقل .. وبما أن الدماغ يقود الجسم ويقف – مادياً – وراء كل الأوامر التي يتلقاها الجسد ، فإن القوة العاقلة (بما فيها الإرادة) تقف وراء كل الدوافع النفسية التي تأمر بها النفس الجسد ..

ولما كان الجسد مادياً وينتمي لهذا العالم المادي الذي يحوي المتناقضات في الوقت ذاته ، ولما كانت النفس بوجهها المجرد تنتمي لعالم لا يحتوي المتناقضات في الوقت ذاته .. نرى أنه يمكننا تصور المسألتين الماديتين المتناقضتين للمسألة الواحدة في الوقت ذاته ، ولا يمكننا أبداً تصور المسألتين الرياضيتين المجردتين للمسألة الواحدة في الوقت ذاته ..

فيمكننا أن نتصور أن ارتفاع درجة الحرارة يؤدي إلى تمدد أقطار الجسم ، ويؤدي إلى تقلص أقطار الجسم أيضاً ، فمعلومٌ أن الماء في الدرجة (+4) مئوية يزداد حجمه بانخفاض درجة الحرارة ، ولكننا حينما تصورنا أن الاثنين أكبر من الواحد كقضية مجردة، فإن هذا التصور ينفي أبداً تصور القضية المعاكسة لهذه القضية ، وهي أن الواحد أكبر من الاثنين كقضية مجردة .. ومرد هذا أن هذه القضية المجردة هي قضية عقلية تنبع من النفس المجردة عن المادة .. ولكن حينما ننزل هذه القضية العقلية المجردة إلى عالم الحس فإننا نقبل المتناقضات لهذه القضية في الوقت ذاته .. فالبرتقالة الكبيرة أكبر من برتقالتين صغيرتين ..

الأمر ذاته بالنسبة لإرادة النفس ، فلا يمكن للنفس أن تحمل في الوقت ذاته للمسألة ذاتها إرادتين متناقضتين ، ولكن حينما تنزل هذه الإرادة إلى عالم الحس والوجود المادي، وتتفاعل مع مادة تنفيذ هذه الإرادة ، وتتحول إلى مشيئة ، فمن الممكن أن تكون هناك طرقٌ متناقضة لتنفيذ الإرادة الواحدة .. ومرد ذلك أن عالم المشيئة يحتوي المتناقضات في الوقت ذاته ، لأنه عالم مادي متغير غير ثابت .. هذه هي أهم معالم النفس ومتعلقاتها من منظار الفلسفة والعلم والتجربة الحياتية ..
.
مهندس عدنان الرفاعي
سورية

03/01/2009

In My Time


Befor I Go

الشّــوق فـاضـح
:(

14/12/2008

أميرة القصر 3

.
بدأتُ منذ تلك اللّحظة أشعرُ بأنّ الأحلامَ تتشكّل وتتجسّد ، كما بدأتُ أشعر بأنّ الفراغات تمتلأ ، كل طريق إليها مُضاء بفتيل لا ينضَب ، يشعّ بأنوارِ اللّقاء وينمو بتعانق الأرواح ، كلّ المسافات تقترب ، كلّ الجراحات تلتئم ، كلّ الدروب تلتقي ، كلّ الوجوه تبتسم ، باختصار كل الطرق تؤدّي إلى عيْنيها ، كانَ اللّقاء بدايةَ الطريقِ الذي لا ينتهي ، كانَ الوجودُ من العدَم ، كانَ الشّيء الذي يحلو شروقُ الشّمس بَعدَه ، كما يحلو النّدى والطلّ والدّيم والوَدَق ، قصّة نُسجت بخيوط الشّمس وزُخرفت بالسّندس والاستبرَق ولُوّنت بأجملِ ألوانِ الرّبيع ، تلكَ هي العتباتُ المقدّسة التي توقّف عندها قيْس وكثيّر وعنْترَه وسائرُ العشّاق ، وتسَربلوا بثياب الحُبّ الطاهر فأوْرثوهُ لأجيال من بعدهم ، فلكم فاضت نفوسُهم عِشقاً وشِعراً ، حٌباً وأدباً ، فاختلطت عبرَ الزّمان بحكايات العاشقين وقَصَص المُحبين وروايات المُخلصين المُدْنفين الصّادقين !!
.
جلستُ أبني معها عُشاً من الخيزران في خَيال يَسبَحُ في الفضاء مع الطّيور السّعيدة ، وأرسُم خُطوتي إلى جانب خُطوتها على رمال الشّاطيء المَهجور آلالافَ السنين ، وأُشعل منَ الشّجر الأخضرِ ناراً تحتَ أشجارِ الزّان خوفاً من زخّات المَطر ، كنتُ أبني لها قصراً من قُصور الجنّة على أرض خواطري وأُلبسها تاجَ الأميرات وأُجلسها على عَرش قلبي ، ليست أميرةَ الحُسن فقط ولا آيةَ الجَمال فحسب ، بل مَلكة الأخْلاق وسيّدة الحِشمة ووزيرةَ الثقافات ، كم تستحقينَ من ألقاب الدّنيا ؟ وكم تستحقك القلائِد والتِيجان ؟ وكم أستحقّك ؟ رحلتُ مَعَها بعَيداً عن النّاس والأشياء ، رَحلتُ إلى جزيرةِ أفكاري وأحلامي ، وصَدى ضَحكاتِها يلفّ فَضائي المحزون ، ويعزِفُ في مَسمعي المعنّى ، ويبعث في داخلي ثورة الجنون التي تهذي إذا ما ثملت من كأس العشق ، وتسكر إذا ما فاض الكأس بشراب الحب والغرام ، والليل يطوينا بصفحته والصبح يبدأنا من جديد !!
.
إلى هنا كانت الأيام هي الأيام والساعات هي الساعات إلى أن سمعت بالصدفة ذلك الخبر من والدتي وهي تقول : " لقد تم خطبة فلانة جارتنا ووالدتها مستعجلة على زواجها ، وزوجها سبق وأن تقدم لها ولكن لم يكن هنالك من نصيب " ، كان الخبر مثل النار في صدري ، لا شيء يطفئه ، أميرة القصر لا يستحقها غيري ! لا أريد العيش بقية عمري وانا في العراء ، لن أعيش حياتي بحواس معطلة أو معاني مفرغة أو سعادة كاذبة ، لا أريد صورا رمادية ولا أزهار صناعية ولا أشباه غير حقيقية ، ماذا أفعل إن كان هذا خيارها ورغبتها ؟ كيف أصل إليها وماذا أقول لها ؟ ذهبت إلى خالتي الصغرى وقلت لها رغبتي وطلبت منها أن توصل هذه الكلمات إلى أميرة القصر ، وبعد تردد وممانعة ذهبت إليها وأخبرتها بذلك ولكن كان الوقت متأخراً ، وإصرار والدها وأخوتها حال دوني ودونها ، غدا تزفّ أميرتي إلى بعلها ، وترحل بعيداً عن عش الخيزران ورمال الشطآن وأشجار الزان ، وسيبقى القصر مهجورا بلا أميرة ، غداً تموت كل الطيور التي تغرد على شباكنا ، غداً تنتحر الكلمات الصادقة وتشنق الآمال البريئة وتوؤَدُ الأحلام في المهد تحت التراب ، ألا رحم الله قيساً حين قال :
>.
خَليلَيَّ لا وَاللَهِ لا أَملِكُ الَّذي *** قَضى اللَهُ في لَيلى وَلا ما قَضى لِيا
قَضاها لِغَيري وَاِبتَلاني بِحُبِّها *** فَهَلّا بِشَيءٍ غَيرَ لَيلى اِبتَلانِيا
أَرى الدَهرَ وَالأَيامَ تَفنى وَتَنقَضي*** وَحُبُّكِ لا يَزدادُ إِلّا تَمادِيا
قَضى اللَهُ بِالمَعروفِ مِنها لِغَيرِنا *** وَبِالشَوقِ وَالإِبعادِ مِنها قَضى لِيا
فَإِن يَكُ فيكُم بَعلَ لَيلى فَإِنَّني *** وَذي العَرشِ قَد قَبَّلتُ لَيلى ثَمانِيا
إِذا اِكتَحَلَت عَيني بِعَينِكِ لَم نَزَل *** بِخَيرٍ وَأَجلَت غَمرَةً عَن فُؤادِيا
وَأَنتِ الَّتي إِن شِئتِ نَغَّصتِ عيشَتي *** وَإِن شِئتِ بَعدَ اللَهِ أَنعَمتِ بالِيا
وَإِنّي لَأَستَغشي وَما بِيَ نَعسَةٌ *** لَعَلَّ خَيالاً مِنكِ يَلقى خَيالِيا
وَما جِئتَها أَبغي شِفائي بِنَظرَةٍ *** فَأُبصِرُها إِلّا اِنصَرَفتُ بِدائِيا
وَتُعرِضُ لَيلى عَن كَلامي كَأَنَّني *** قَتَلتُ لِلَيلى إِخوَةً وَمَوالِيا
بِيَ اليَومَ داءٌ لِلهِيامِ أَصابَني *** وَما مِثلُهُ داءً أَصابَ سَوائِيا
فَإِن تَمنَعوا لَيلى وَحُسنَ حَديثِها *** فَلَم تَمنَعوا عَنّي البُكا وَالقَوافِيا
يُلَوِّمُني اللوّامُ فيها جَهالَةً *** فَلَيتَ الهَوى بِاللائِمينَ مَكانِيا
وَلي مِثلُ ما في شِعرِ مَن كانَ ذا هَوىً *** يَبيتُ جَريحَ القَلبِ حَرّانَ ساهِيا
فَإِن يَكُ فيكُم بَعلَ لَيلى فَقُل لَهُ *** تَصَدَّق بِلَيلى طَيِّبِ النَفسِ راضِيا
فَأَشهَدُ عِندَ اللَهِ أَني أُحِبُّها *** فَهَذا لَها عِندي فَما عِندَها لِيا
ذَكَت نارُ شَوقي في فُؤادي فَأَصبَحَت *** لَها وَهَجٌ مُستَضرَمٌ في فُؤادِيا
فَهَذي شُهورُ الصَيفِ عَنّا قَدِ اِنقَضَت *** فَما لِلنَوى تَرمي بِلَيلى المَرامِيا
إِذا الحُبُّ أَضناني دَعوا لي طَبيبَهُم *** فَيا عَجَباً هَذا الطَبيبَ المُداوِيا
وَقالوا بِهِ داءٌ قَدَ اَعيا دَواؤُهُ *** وَقَد عَلِمَت نَفسي مَكانَ شِفائِيا
وَلا سُمِّيَت عِندي لَها مِن سَميَّةٍ *** مِنَ الناسِ إِلّا بَلَّ دَمعي رِدائِيا
خَليلَيَّ أَمّا حُبَّ لَيلى فَقاتِلٌ *** فَمَن لي بِلَيلى قَبلَ مَوتِ عَلانِيا
شَكَرتُ لِرَبّي إِذ رَأَيتُكِ نَظرَةً *** نَظَرتُ بِها لا شَكَّ تَشفي هُيامِيا
عَلى مِثلِ لَيلى يَقتُلُ المَرءُ نَفسَهُ *** وَإِن كُنتُ مِن لَيلى عَلى اليَأسِ طاوِيا
بِيَ اليَأسُ أَو داءُ الهُيامِ أَصابَني *** فَإِيّاكَ عَنّي لا يَكُن بِكَ ما بِيا
دَعوني أَمُت غَمّاً وَهَمّاً وَكُربَةً *** أَيا وَيحَ قَلبي مَن بِهِ مِثلُ ما بِيا
مُعَذِّبَتي لَولاكِ ما كُنتُ هائِماً *** أَبيتُ سَخينَ العَينِ حَرّانَ باكِيا
مُعَذِّبَتي قَد طالَ وَجدي وَشَفَّني *** هَواكِ فَيا لِلناسِ قَلَّ عَزائِيا
مُعَذِّبَتي أَورَدتِني مَنهَلَ الرَدى *** وَأَخلَفتِ ظَنّي وَاِحتَرَمتِ وِصالِيا
فَقُلتُ نَسيمَ الريحَ أَدِّ تَحِيَّتي *** إِلَيها وَما قَد حَلَّ بي وَدَهانِيا
وَإِن مِتُّ مِن داءِ الصَبابَةِ أَبلِغا *** شَبيهَةَ ضَوءِ الشَمسِ مِنّي سَلامِيا
.
>
>
ساعة البيْن والنوى يرسل القلب إلى العين دمعة مشفقة حرّى ، فتسقط معها رسائل الشوق والذكرى ، لواعج في القلب تعصره فينزف حرقة وأسى على الحبيب المفارق ، لا يملك من ذلك سوى أن تضرع روحه إلى بارئها فيعيدها سيرتها الأولى ، أو أن تكون النار في صدره بردا وسلاما وما ذلك على الله ببعيد ، فالحب الذي يستحيل اللقاء بعده هو الذي لا طاقة للإنسان فيه ، فلا دواء يستطب به ولا وصف يوصف له ولا مكان يلجأ إليه سوى من خلق الحب في روحه ووجدانه ، ومن أودع في نفسه العشق والصدق ، صابراً على ما ابتلاه الله به وشاكراً لأنعم الله عليه فلا عد ولا حصر لها ، ولم يأت ذلك الغد حتى ترحل أميرة القصر ولربما يبقى للحديث بقية !!
.

19-12-2008

13/12/2008

ليلة فراق !!



الليــلة هذي واضحة ليــلة فراق ... حاولت أعدّيـــها وعيّت تعـــدّي
اظروف ما تنطاق ولا راح تنطاق ... صدّ القدر ماهو بصدّك وصدّي
تعــال خذني بين أياديـك مشتـــاق ... قبل انتفــارق حط يدّك بيـــدّي
بجلس معك ساعة حبايب وعشّاق ... من بعدها كيفك ولو صرت ضدّي
فيني خليط أشواق بأشواق بأشواق ... واصل معك من كثرة الشّوق حدّي
ودّي ألمّــك وأحضنك حضنة اعناق ... يا شيـب عيني كـل ما قلت ودّي
في خاطري وش خاطري؟ خاطري ضاق ... الكون كلّه ضاق ما هو بقدّي
حتّى الدّموع الّلي استحت كبر وأخلاق ... تساقطت من فوق خدّك وخدّي
لوحة شعر تبكي على بيض الأوراق ... بيّحت فيها من ردى الحظ سدّي
ليــلة جفا وافــراق ما مثله افــراق ... حاولت أعدّيــها وعيّت تعدّي

الشاعر
ثامر شبيب

02/12/2008

أميرة القصر 2

.
ربما يكون هناك فاصل زمني طويل بين الجزء الأول والثاني ، ولكن ذلك لا يمنع أن تكون أحداث القصة ما تزال في تجدد دائم حسب ما تقتضيه المدّة الزمنية التي يمكن أن تجمع خلاصة تجربة غنيّة بالأحداث كتجربة هذه الفتاة التي لو تندّر الزمان على شيء لكانت أميرة القصر نادرة الزمان ولا فخر ، فتاة استطاعت أن تجري عكس التيار ليس لأنها تريد ذلك فحسب ، بل لأنها عرفت بأن التيار الذي يجرف الآلاف من الفتيات هو نفسه التيار الذي سيلقيها في يوم من الأيام على جانبي الطريق ملقاة كبقايا الأشياء التي تلفظها الأمواج دون أي اعتبار ، فليس من عادة هذا التيار الذي يدعو إليه الكثير من أطياف الجنس البشري أن يحتوي من كان على ظهره ليوصلهم إلى برّ الأمان ، بل هو جنون خارج عن السيطرة يجعل كل من يراه أو يرى اندفاعه وهيجانه يظن بأن الخاسر الأكبر من أحجم عن المسايرة واعتزل الطريق !!
.
هذا التيار الذي تجاهد أميرة القصر في معاكسته ، هو تيار الهوى الذي يغوي كثير من الفتيات ، هو كسر للحواجز وهدم للأسوار ، حتى تصبح الفتاة متحررة من كل شيء ، بل ربما تصل إلى التحرر من كلمة والديها عليها ، حتى تصبح في أرض فارغة غير محصنة يسهل الهجوم والتعدّي عليها ، هذا التيار الذي يغلّف الأشياء بكلماته الخاصة ، موضة موديل مودرن ،،، الخ ، ليس ذلك فحسب بل هذا التيار يحارب كل تقليد حسن بحجة " تقاليد و أعراف ولسنا مجبورين على اتباعها " ، كما يحارب تديّن الفتاة ويراه قيد جبري يحرم الفتاة من انطلاقتها على الحياة ويحرم الفتاة من فطرة التجمّل والإغواء ولفت الانتباه ، حتى تذوب القيم مع هذه المنطلقات التي يدعو إليها هواة نبذ الفضيلة والإستمتاع بتصادم القيمة مع المصالح !
..
نعود إلى تلك اللحظة التي جمعتني بها أمام المنزل في زمن لم يكن لإختياري أي دخل فيه ، هي لحظة شعرت فيها بأن التي أمامي تفرض على الرجل أن يطأطئ الرأس حياء وهيبه ، وتثقل أجفانه من أن يمعن النظر بها ، مع أن الله خلق فأبدع وصوّر فأحسن سبحانه وتعالى أحسن الخالقين ، لكن من يفيض الإيمان في قلبه وتخشع روحه بأنس الله في السر والعلانية ، يلبس الله جوارحه وقار الإيمان وتاج الحشمة وأسورة من معدن لا يستخرج إلا من مناجم اليقين بالله والتوكل عليه ، ذلك ما أحسست به عندما شهادتها ، سكون في الجوارح وهدوء في كل شيء ووقار، ربما كانت مجرد ثواني معدودات حاولت فيها أن أتجنب الطريق لأفسح المجال لها لدخول المنزل كما أفسحت لها من قبل لدخول قلبي ووجداني ، تساءلت عن ردة فعلها وشعورها ولكن أثناء ذلك حدث موقف لا أحسد عليه ، فلقد وطأت قدماي خرطوم الماء فجأة ، فأبرق وأرعد وأزبد ، وكأنه رجل كان يغار عليها فغضب وطاش ولم تهدأ ثورته إلا حينما وجدت نفسي في توقّف تام عن التفكير إلا من أمنية واحدة " يا أرض ابلعي ماءك ، ويا سماء أقلعي" وليتها ابتلعتني الأرض قبل ذلك !!
.
ليس الآن وقت الضحك ، بل ما سيأتي ربما سيكون أقسى من ذي قبل وأشد حرجاً ، لأن توقفي عن التفكير منعني من أن أحس بما يحدث من حولي ، مع أنها كانت ثواني قليلة ولكن بالنسبة لي فلقد مرّت فصول السنة الأربعة ولم تنتهي بعد ، وجدت ملابسي مبللة إلى حد الإشباع ، وغترتي سقطت على بعد أمتار ، ووجدت من حولي حطام شيء كان يسمّى " هاتف" ولولا رحمة الله لسقطت معهم جميعا ، ولا تزال الآية الكريمة ترتّل بأذني بصوت الشيخ الشريم " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ، ويا سماء أقلعي ، وغيض الماء وقضي الأمر ، واستوت على الجودي ، وقيل بعدا للقوم الظالمين " ، آآآآه من القوم الظالمين المعتدين ، إلهي لا تعذبني ، ألا بعدا للقوم الآثمين ، ماذا يحدث ؟ هل بقي شيء أتكأ عليه ؟ لا شيء سوى أنني لمّا إلتفتّ إليها وجدتها تمدّ يدها نحوي حاملة غترتي الهاربة من رأسي الدائري وتقول لي : ما عليه ولا يهمك !!
.
عند سماعي لهذه الكلمة فقط أحسست بالإتزان ، أحسست بأني أقف على أرض صلبة ، وكأنما يدٌ حانية تربّت على كتفي وتهدأ من روعي ومن حدة الإحراج ، أحسست بأن هذا الصوت يمسح كل قطرة ماء على جسدي ، يخبرني بأن الكون معك ، بأجزاءه بألوانه بأشكاله بمحيطاته بخلجانه بجباله وسهوله وغاباته ، يشعرني بأن الأوطان كذبة ، لأنني اكتشفت الآن محور الكون وموطن الحياة وغاية الأشياء ، أتراه أنتِ ؟ أتراك من يسكن بين جوانحي فتتمثلين روحا للحب وصوتا للضمير ووجها للسعادة ومساحة للأمل ومكانا للأمنيات الجميلة ؟ هل كان قدري أن تكوني غيمة تمطرني في كل الفصول ؟ لتنبت في قلبي حدائق وأزهار وفي عيني ملايين الأشجار ، على مساحة شاسعة على مد النظر لا تتسع إلا لروحينا ولا تحتوي إلا قلبا واحدا نعيش فيه !!
.
لست على استعداد بأن أتلفّظ بأي كلمة فلقد نسيت اللغة والكلمات والحروف وكل الأبجديات ، ذهبت إلى الداخل وشيء منها ما زال يضمني ويحضن شتاتي وبعثرتي ، ولا شك أن هناك أشياء منّي راحت تركض خلفها ، وصوت الناي الذي أجهش عزفا على هذا الفراق ، حملني على أن أخرج وامتزاج المشاعر يذوب في كأسٍ نصفها ممتلأ والآخر لا يزال فارغ ، فراغ تسبح فيه دوامة من الأسئلة لم تهدأ ولم تستقر إلى حيث الركود ، ماذا يعني أن تفتح السماء بابها لأشعة الشمس فتنمو الأشجار ؟ وماذا يعني أن ينشق الحجر فتخرج منه الأنهار ؟ وماذا يعني أن ينزل المطر فتحيا الأرض من بعد موتها ؟ هل ذلك يعني أيضا أنكِ من عرفتها فأحببتها ؟ أو أنكِ من خلقتِ لأجلي وخلقتُ من أجلكِ ؟ هل ذلك يعني أننا من وُجد لوجود الآخر ؟ هل كل ما أشعر فيه كانت ذراته في داخلي منذ أن كنت نطفة في رحم امرأة ربّتني وعلمتني وقوّمتني حتى أحفظه مما يشينه ؟ كل الإجابات محتملة غير أن الأكيد هو أنني أحسست فيك كما أحسست بصوتك يعبر في أوردتي من الشريان إلى الآخر قاصدا قلبي الذي ينزف أطنان الدماء إذا ما مَررتِ في خيالي !!
..
سـألت والدتي حين رجعت إلى المنزل ، ولا أعلم هل كنت ذهبت أصلا ؟ فقلت لها : هل علمتِ ما جرى لي عند الباب ؟ هل أخبركِ أحد ؟ فقالت : نعم لقد قالت لي خالتك فضحكنا على ذلك ، إلا أنني حزنت عليك قليلا هذه المرّه ، لا بأس من اعتاد الضحك على الناس يأتي اليوم الذي يضحكون عليه ، أخبرني هل رآك أحد ؟ قلت : آآآآآه ، لو كان جمرا لكان أهون من أن يشاهدني من شاهد ، قالت : ومن شاهدك ؟ قلت : إنها أميييرة القـ ، عفوا إنها جارتنا :) قالت : أم فلانة ؟ قلت : بل فلانة :( قالت : لا أعلم لم كانت تشدنّي هذه الفتاة ؟ لم أسمع لها همسا سوى أنها تبتسم ، كلما نظرت إليها أو أعدت النظر أو لمحتها من بعيد شعرت بالراحة ، حتى أن كثيراً منهن يسألنني عنها ، هل تذكرها يوم أن كانت صغيرة ؟ انا : امممم ، نعم ، نعم أكملي وماذا بعد ؟ قالت : وماذا تقصد بماذا بعد ؟ انا : أمي كنت أقول هل أصابها الماء ؟
.
تبسمّت قليلا وقالت : نعم ، ولكنها لم تصب بكثرة ، وقالت لي من الذي كان عند الباب ؟ انا : كييييييييف ؟ ولماذا تسأللل ؟ وماذا قلت لها ؟ فَضَحِكت وقالت : كنت أمزح معك :) أصابني الإحراج ولكنها والدتي وتعرفني فلا مهرب من ذلك ، ذهبت إلى غرفتي وأردت أن أضيف ألوان جديدة على ما رأيته اليوم ، أردت أن أرسم معالم جديدة وأبعاد مختلفة ، أجعل الصور كما أريد لا كما كانت ، حلمت قليلا ودندنت مع الذي كان يهمس بداخلي :
.
خذي من فؤادي قصةَ الحب وانسجي ... بأعصابِ جثماني ضريحاً مطنبا
أموتُ وأحيا والمسراتُ جمةٌ ... وأنتِ التي سددتِ سهماً مصوّبا
بقلبي قامتْ كعبةُ الحسن مثلما ... يطوف غرامي حولها متعجبا
ألا رحم الله المحبين ليتني ... تلوتُ عليهم سورةَ الصبر مسهبا
يهيّجهم في ساعة البين بارقٌ ... وكم شاركوا نوحاً حماماً مطرّبا


Meshary
2-12-2008

26/11/2008

وطني


وَطَني وَصَيَّرنا الزَّمانُ أذِلَّةً .. لِنَعيشَ في الأوطانِ كالعُبْدَان
نعصي أوامرَ كلِّ فردٍ مُصلحٍ .. والدِّينُ ينهانا عن العِصيان
والخَتْلُ والتّدجيلُ قد فتَكا بنا .. وتَقودُنا الأطماعُ كالعميان
كلٌّ بميدانِ اللذائذِ والهوى .. تلقى عَوَاطِفَه بغيرِ عنان
ذو المال نَغفِرُ ذَنبَهُ وَنجلُّهُ .. أبدًا فَتَلقاهُ عظيمَ الشَّان
أمَّا الفقيرُ فلا تَسَل عن حالِهِ .. حالٌ تُثيرُ لواعجَ الأشجان
والحُرُّ نُشبعُهُ أذىً ونُذيقُهُ .. سُوءَ العذابِ ولا يزالُ يُعاني
ونُحيطُ بالتَّعظيمِ كلَّ مُنافق ..باعَ الضَّمير بأبخس الأثمان
ما نحنُ في وطنٍ إذا صَرخَ الغيورُ به يرى نَفَرًا من الأعوان؟
ما نحنُ في وطنٍ إذا نادى الأبـيُّ بهِ يُجابُ نِداهُ يا أقراني؟
وطنٌ به يتجرَّعُ الأحرارُ وا .. أسفاهُ صَابَ البُؤس والحرمان
وَيلاهُ أجنحةُ الصُّقور تكسَّرت .. والنَّسرُ لا يقوى على الطَّيران
وأرى الفضاءَ الرَّحب أصبحَ مسرحًا .. واحسرتا للبُومِ والغِربان
والليثُ أمسى بالعَرينِ مُكبَّلاً .. والكلبُ يرتَعُ في لحُومِ الضَّان
ما أن يُطبِّل في البلاد مُطَبِّلٌ .. حتى تُصَفِّقَ عُصبَةُ الشَّيطان
أو كُلَّما نَعَبَ الغُرابُ وغصَّ في .. تَنعابه نَعَبَ الغُرابُ الثَّاني؟
فلمَ التَّفاخرُ بالموائدِ والملا .. بسِ والأثاث وشَاهق الجُدران؟
ولمَ التَّعصُّبُ بالمذاهب يا بني الـ .. أوطانِ وهو أساسُ كلِّ هوان؟
فقلُوبنا للهِ والأجسامُ للـ .. ـغبراءِ والأرواحُ للأوطانِ
فَتعَاضدوا وتكاتَفوا وتآلفوا .. وتسانَدوا كَتَسانُدِ البنيان
وتآمروا بالبرِّ والتقوى ولا .. تَتآمروا بالإثم والعُدوان
تَجري السَّفينةُ في محيطٍ هَائل .. وَعُيُوننا تَرنو إلى الرُّبَّان
كَيفَ السَّبيلُ إلى النَّجاةِ ولم تزَلْ .. عُرضَ الخِضَمِّ سَفائِنُ القرصَان؟
رَبَّاهُ جارَ الأقويا فانظُرْ إلى .. مَا يَفْعل الإنسانُ بالإنسان

فهد العسكر

20/06/2008

أميــرة القــصر 2

.
قريـــباً
.
الجزء الثـاني
.
:)
.

17/06/2008

أميـــرة القــصر 1


حياتي عشتها في منزل واحد ..
ولدت وترعرعت وكبرت فيه .. جميع سنوات عمري قضيتها وأنا أسكنه .. حفظت تصاويره وألِفت ألوانه وعشقت كل ما فيه .. لا أكذب إن قلت أنّني لا أزال أسمع بكائي حين كنت في أحضان الطفولة وصرخاتي المزعجة في ذروة الشقاوة وابتساماتي وأحزاني المتناثرة هنا أو هناك .. هي الجدران ذاتها التي تعيد إليّ رجع الصدى .. في لحظات أشد ما أكون فيها أحوج إلى الحنين .. أُسْحَبُ قَسْراً بيَد الإشتياق مرة في خيال اليقظة ومرّات في المنام .. لست أنسى غرفتي التي قاسمتها الأيام وقد حَوَت روحي قبل أن تحتوي جسدي تحت سقفها وبين زواياها .. ونافذتي بها هي نافذتي على العالم .. فكم تسامرنا سوياً تحت ضوء القمر وتهامسنا بأسرار الدجى وغنيّنا معاً ألحان الشروق .. كنت أجلس في ليلة مقمرة أناجي نجيماتي العزيزات وأجاري صمت الليل الرهيب .. أغفو على غيمة تداعبها النسمات والفكر على صهوة الأشواق .. تارة يسرح في القريب البعيد .. وتارة في مدارات صنعت كواكبها وأجرامها من محض الخيال .
.
وبينما أنا على هذه الحال .. إذ بنور يسطع على عيني ويقطع عليّ خلوتي .. عرفت المصدر على الفور .. إنه القصر الذي بجانبنا وقد أشعلت أنوار إحدى الغرف فيه .. وأنا في حيْرة من أمري .. فنصفي يأمرني بأن أسترق النظر .. ونصفي الآخر يدعوني إلى أن أخلد للنوم .. فجأة !! رأيت إحدى أميرات الطفولة .. رسمتها ملاكاً أبيضاً في مخيلتي لسنوات .. إنها هيَ .. يااااه .. عدت إلى أسألتي البريئة حين حاولت أن أفتح حواري الأول معها .. عدت إلى محاولاتي الفاشلة للفت الإنتباه حين كنت ألعب مع الأقران أمام منزلنا .. يومها أتت لتأخذ شقيقها الأصغر إلى رحلة عائلية وهو غاضب جدا لأن المباراة ما زالت في بدايتها .. عندها انتهزت الفرصة فأخذت بكل قوتي واستجمعت طاقتي .. ورحت أجري بالكرة لأبرهن مدى مهارتي وموهبتي .. وفعلا وفقت إلى أبعد الحدود وسجلت هدفا من أجمل الأهداف وحين لوّحت بيدي علامة الانتصار .. إلتفت وأنا أترقب نظرات الإعجاب .. ولكن خاب ظني ولم أجدها .. فقد غادرت منذ وقت .. لا بأس لا بأس المهم المحاولة .. ما دام أن هناك شيء جميل دفعني لذلك ..
.
ما أجمل تلك اللحظات التي تأبى الذاكرة أن تنساها .. كم هي صغيرة هذه الأحلام وكم هي رقيقة تلك المشاعر .. نعم من أراها في الغرفة .. هي من أدعوها بــ أميـــرة القــصر !! هدوء مطبق يعتري المكان .. لست أسمع شيء سوى أنفاسي
وصوت من أطراف ردائي تتمايل مع نفحات الليل .. كم تمنيت في هذه اللحظة أن أسترعي انتباهها ولو لثواني معدودات .. فقط أن تراني وأنا في غفلة متعمدة عنها حتى أباغتها بـ التفاتة غير مقصودة ولربما أتصدق عليها بنظرة .. وتقع عيني في عينها وكأن الأمر صدفة .. لم يحدث شيء من هذا ولا ذاك .. أطفأت الأنوار وطارت مع الريح بنيّات أفكاري ..
.
لست أذكر من ملامحها شيء .. فقد مرّت سنوات طويلة منذ آخر مرة رأيتها فيها .. عدت إلى غرفتي وأنا مشغول بها لأغرق في بحر من الأسئلة : كيف تعيش ؟ بم تفكر ؟ من تحب ؟ جملة من الأسئلة وسيل من الاستنتاجات الوهمية أشغلتني عن ركيعات التهجد قبل الأذان .. الله أكبر الله أكبر .. صوت ندي جميل يتهادى في الأفق .. أصحو به من غفوة الأحلام ومطاردة الأفكار .. ذهبت لأغلق النافذة .. فوجدت غرفتها قد أشعلت أنوارها من جديد : يا لهذا المنظر ؟ ما الذي أراه ؟ ذات الوشاح الأبيض جالسة على الأرض جلوس النورس المنحني على أجمل بحيرات الكون .. خشوع مَهَيب أمام كرسي المصحف الشريف وتمتمات ليتني كنت أسمع قليلا منها ..
.
ما الذي يحمل فتاة بعمرها أن تصحو قبيل صلاة الفجر ؟
لتقرأ القرآن وتتقرب إلى الله بأذكار السحر ؟
أليست على قدر من الجمال لتغوي به الشباب وتقضي الليل بصحبتهم ؟
لماذا لا يجذبها التلفاز لتسهر معه على أحداث فيلم رومانسي ؟
ما الذي يحملها لتقضي أجمل مراحل عمرها بالتزام يقتل الجموح الأنثوي ؟
أو ليس في ذلك إرهاق لعينيها الفاتنة ؟
تلك النعومة الرقيقة لم إجهادها ؟
أولم يثيرها الفضول نحو فنانة ، مذيعة ، ممثلة ، عارضة ، راقصة
لتمارس هوايتها في مجاراتهن بالأناقة والموضة وآخر الصرعات الحديثة ؟
.
جملة من الأفكار التي رسم ملامحها الواقع المرير المؤسف .. لكثير من بنات هذا الجيل اللاتي تركن الجمال الحقيقي الذي يجذب النفوس الجميلة .. وتمر الأيام وما تزال الذاكرة مطبوع فيها ذلك المنظر .. وتتكرر الأسئلة بل وتزداد في كل مرة أرى بنات جنسها في الأماكن العامة .. أزيحهن عن ناظري كما أزيح الذباب عن الطعام .. أردت أن أخرج ذات يوم من المنزل فاليوم تزورنا أفواج من نساء الحي .. فوالدتي تقيم مأدبة عشاء على شرف إحدى جارات المنزل .. وعند الباب حاولت أن أجد الوقت المناسب لأستطيع الهرب دون أن يصادفني أحد من الضيوف .. ولكنها صدفة من أجمل الصدف .. أميرة القصر أمام الباب !!
.

يتبع إن شاء الله
:)

19/05/2008

السيف الذهبي

.
أكبر وأضخم مطعم في فرع قطعة 4 باليرموك !
.
كتب : عبدالله النجار
جريدة الوطن ، تاريخ النشر: السبت 8/3/2008
.
بهذه المناسبة أتحدى كافة المطاعم الكبيرة والمشهورة والمعروفة في الكويت ان تكون قد استخدمت مساحاتها بالشكل الذي استخدمه اصحاب المطعم الهندي الفرع الموجود في قطعة (4) باليرموك !! فهذا المطعم القديم والنظيف والمرغوب من داخل وخارج المنطقة مساحته مترين في مترين ، ومع ذلك به مطبخ نصف حاجز سيراميك حتى يستطيع الاثنان اللذان بداخله التحدث مع الاثنين اللذين يعدان السندويتشات ونقل الجدور الخالية والمحتوية على الاكل عبر الايادي التي تتلقفهما في الهواء ودون الحاجة للخروج والدخول من والى هذا المطبخ الدولي ودون الحاجة ان يرى اي منهم الآخر !!
.
والزبون يدخل عن طريق الجنب ولن يتعب كثيرا حيث ثلاجة السانكسيت والمرطبات خلفه ولا تبعد اكثر من (شبر) وفاترينة الأكل امامه وطولها لا يتعدى المتر ولكنها تحتوي على الفلافل والبطاط والباذنجان والزهرة والسمبوسة بانواعها الخمس !! وبيض العجة والمفيوح ومشكل البزاليا والجزر اضافة الى النقانق والكبة والبطاط المدورة والفلفل والقيمة وتكة لحم !! وهناك رف مصنوع وملحق بالفاترينة عليه قرشة الدقوس وبطل الميونيز والكاتشب وعلبة الطحينة والصمون ليتم فتحه !!
.
والقائمون على المطعم يحبون المساواة على المساحة المتوقفين عليها لا تختلف عن المتوقف عليها الزبائن وعددهم اثنان ونصف داخل المطعم والنصف الآخر للزبون الثالث خارجه !! فمن يعد السندويتشه وجهه على الفاترينة ويستمتع لطلبات الزبائن وخلفه ثلاجة صغيرة وفوقها شواية وبجانبها فرن صغير وعليه مكيرويف وبجانب الفرن كراتين بطاط وفوقها جذر للشباتي وبينهم سلك معلق بها الاكياس! وبجانبه رف يحمل ميزان العجين واكياس القراطيس وساعة وبعض المعدات وعند الرف مكيف الهواء وخلف العامل حائط صغير لكنه يتحمل تلفوناً معلقاً وصوراً لزعماء وشخصيات من طائفة العاملين وفتاحة علب وبرواز لمنظر بيعي ومسامير بها احبال لرفع وايرات الثلاجة والشواية والميكرويف والفرن ويستند على الحائط سلم حديدي !!
.
حتى كراتين المرطبات وعددها في احيان كثيرة تصل الى العشرين لم تترك دون فائدة !! حيث يجلس عليها احد العاملين بالمطبخ ليقوم بتحشية السمبوسة وعمل الكبة وهو يسولف طبعا مع الاخرين !! وحتى لا انسى هناك زاوية بجانب الثلاجة استغلت بوضع سلندر غاز احتياط بها اضافة الى سلة القمامة والمكنسة والمكرافة وقطعة قماش لمسح الارضية !! واخيرا الباب يفتح للخارج وليس دفعه للداخل !! لذا اتمنى من اي شخص يرغب بفتح مطعم ان يراجع هؤلاء ليتعلم منهم !! انتهى كلام الكاتب
.
اليوم أثناء تواجدي بالمطعم الملقب بـ السيف الذهبي واسمه الأصلي السيف البرونزي ، وجدت هذا المقال ملصق داخل وخارج المطعم فحاولت أن أقوم بوضعه هنا لما فيه من وصف دقيق لهذا المطعم العريق ، بصراحة الكاتب وصف المطعم وصفاً دقيقا من الداخل دون أن يصف مكانة هذا المطعم عند زبائنه الدائمين لأكثر من 30 عام لا سيما أهل اليرموك خصوصا أهل قطعة 4 الشهيرة ، يمثل هذا المطعم العمود الفقري للشباب الزهقان من مجابيس البيت والأكل التقليدي ، فيحتاج الشاب أو بالأحرى من هم في سن 7 سنوات إلى 18 سنة إلى سندويشات يقمن بها صلبه ، وليس هناك أفضل وأحلى من سندويشات وحيد وبوعلوه ، لا سيما أنه في فترة من الفترات كان المطعم الوحيد في القطعة ، فمنذ أيام الربع دينار اللي له قيمة كبيرة في ذاك الوقت إلى هذا اليوم اللي فيه الدينار 100 فلس ، لا يزال هذا المطعم محافظ على أسعاره الرخيصة والتي تناسب جميع الأعمار والمستويات .
.
ليس فقط الشباب فحتى الحريم ما يستغنون عنه ، سواء عن طريق شراء عجينة السمبوسه بالكيلو أو إذا توهقت وما زهبت شي للضيوف تقوم تدز السايق لشراء ربع فلافل ربع سمبوسه جبن ربع سمبوسه خضره ربع كبه وبطاط مدوّر ، كذلك الشيّاب اللي طفارته شي اسمه وجبات سريعه أو ان الوجبة بدينار ونص خصوصا شياب قطعتنا جعوص ، فيرتاح لما ياكل على راحته وحسابه بالأخير نص دينار يا بلاش !!
.
أذكر كان هذا المطعم نقطة تجمع بالنسبة لنا احنا عيال هالقطعة الشلايتيه ، كل واحد ماخذ له نص دينار يصرفها على البرّد أيام الصيف أو بسكوت الكابتن ماجد أو المطعم الهندي طبعا وإذا ما كفّى نخليها على الحساب - وهو كشف بأسماءنا مع قيمة الدين اللي علينا - طبعا اللي معاه دينار هذا حده كشخه وما يسلم من عمليات النصب والإحتيال ، أذكر على أيام المتوسط يكون عندنا امتحانات فنروح بعد الإمتحان حق هالمطعم ونشوف رياييل كبر أبهاتنا ، فلما يشوفونا لابسين هدوم المدرسه يقول لنا : احنا على أيام ما كنا بالثانوية نطيّح بهالمطعم وما شاء الله ليما الحين فاتح هالمطعم وما تغير فيه شي ، والآن انا أقولها حق اللي أشوفهم ساعات بهدوم المتوسط ، جيل ورا جيل سبحان الله .
.
على فكرة تاريخ هذا المطعم يعود إلى 1966 لما كان في الخالدية ، بعدين انتقل إلى اليرموك قطعة 4 سنة 1978 ، وصاحب المحل أو الترخيص التجاري واحد من عيال بورسلي لكن اللي يدير المحل اهما هنود من البهرة ، والشهادة لله أنظف هنود شفتهم بحياتي وشغلهم ولله الحمد نظيف وعفيف ، صحيح التاريخ ما ينكر وجود حالات تسمم كثيرة جراء الأكل من هذا المطعم ، ولكن تبقى حالات فردية تعتمد بالدرجة الأولى على معدة الأشخاص وكذلك على طبيعة الوقت اللي تسمموا فيه ، في الختام تحياتنا لكل القائمين على هذا المطعم سواء اللي يديرونه الآن أو في السابق ، وعلى فكرة الحلاق اللي يمه هم نفس الحاله ، بصراحة يعرفون واحد واحد بالمنطقة ، لما تقعد على الكرسي على طول : شلونك ؟ شالأخبار ؟ هلا بالحبيب ؟ عمك شلونه ؟ خالك طلال وينه من زمان ما حلق عندنا ؟ أخوك بدر أمس موجود .. وهلم جرا بالآكسنت الكويتي طبعا ، واذا تبي تسأل عن أحد من عيال المنطقة من زمان مو شايفه روح حق الحلاق أو السيف الذهبي وقول له فلان ما مر عليك هالأيام ؟ عندك رقم تلفونه ؟
.

Bomsa3d

:)

16/05/2008

فاصل اعلاني


لا يعرف كلمة لا .. ولا اهيا تعرفه P:



نيااااااه هاهاها .. أحلى انفعاااال :)



حياكم اقلطوا على السوشي .. صوتوا لي مرشحكم بان سي فووو



تذكرونه ؟


ذكروني فيه مع كامل الإحترام لهم
:)



07/05/2008

نصوص

(1)
تحصيل الفضيلة

.
إن الإنسان لا يكتفي بنفسه في تكميل ذاته ، و لابد له من معاونة قوم كثيري العدد حتى يتمم به حياة طيبة ، ويجري أمره على السداد ، ولهذا قال الحكماء : إن "الإنسان مدني بالطبع" أي هو محتاج إلى "مدينة" فيها خلق كثير لتتم له السعادة الإنسانية ، فكل إنسان بالطبع و بالضرورة يحتاج إلى غيره ، فهو كذلك مضطر إلى مصافاة الناس و معاشرتهم العشرة الجميلة ومحبتهم المحبة الصادقة ، لأنهم يكملون ذاته و يتممون إنسانيته ، و هو أيضا يفعل بهم مثل ذلك . فإذا كذلك بالضرورة فكيف يؤثر الإنسان العاقل العارف بنفسه التفرد والتخلي؟
..
فالقوم الذين رأوا الفضيلة في الزهد و ترك مخالطة الناس و تفردوا عنهم ــ إما بملازمة المغارات في الجبال ، وإما ببناء الصوامع في المفاوز - فلا يحصل شيء من الفضائل الإنسانية ، ولا تظهر العفة ولا العدالة ، بل تصير قواه و ملكاته التي ركبت فيه باطلة ، لأنها لا تتوجه لا إلى الخير و لا إلى الشر . فإذا بطلت ولم تظهر أفعالها الخاصة بها صاروا بمنزلة الجمادات والموتى من الناس ، لذلك يظنون ويظن بهم أنهم أعفّاء وليسوا بأعفّاء ، وأنهم عدول وليسوا بعدول ، وكذلك في سائر الفضائل ، والفضائل هي أفعال وأعمال تظهر عند مشاركة الناس ومساكنتهم وفي المعاملات وضروب المجتمعات . ونحن نعلم ونتعلم الفضائل الإنسانية التي نساكن بها الناس ونخالطهم ونصبر على أذاهم ، لنصل منها وبها إلى حال أخرى
.
احمد بن محمد بن يعقوب مسكويه
تهذيـب الأخـلاق



(2)
" الهيرمينوطيقا " فـن التأويل
.
الهيرمينوطيقا فن لتأويل النصوص ، فعندما تؤدي المسافة الجغرافية والتاريخية والثقافية التي تفصل النص عن القارئ إلى وضعية انعدام الفهم ، والتي لا يمكن تجاوزها إلا في إطار قراءة متعددة ، أي في إطار تأويل متعدد الأبعاد ، آنذاك يصبح وجود فن مخصوص أمرا لازما وبهذا الشرط الأساسي يغدو التأويل ، باعتباره موضوعا مركزيا للهيرمينوطيقا ، نظرية للمعنى المتعدد .
.
ما الهدف من التركيز والإلحاح على مفهوم النص بصفته عملا مكتوبا ؟ ألا يوجد مشكلة في الفهم حتى في المحادثة والحوار الشفهي ؟ ألا يوجد انعدام في الفهم وسوء التفاهم فيما يزعم أنه حوار مباشر ؟
.
نعم بكل تأكيد ، غير أن الحضور المشترك والمباشر للمتكلمين يسمح للعبة السؤال والجواب بتعديل الفهم المتبادل تدريجيا ، وفي هذا السياق يمكننا الحديث عن هيرمينوطيقا المحادثة ، غير أن الأمر لا يعدو هنا أن يكون هيرمينوطيقا أولية وذلك لأن الحوار الشفهي لا يستطيع الكشف عن الصعوبة التي تثيرها الكتابة ويتعلق الأمر بدلالة الخطاب الذي إذا انفصل عن المتكلم لا يصادف نية صاحبه أبدا ، وانطلاقا من هذه اللحظة يخضع كلام الكاتب ودلالة النص لمصائر متباينة ، ويظل النص بمعنى ما ( يتيما ) بتعبير أفلاطون في كتابه "فيدر" وفاقدا لأبيه الذي كان يدافع عنه مواجها بذلك وحده مغامرة التلقي والقراءة ، وقد اقترح (ديلتاي) أحد منظري الهيرمينوطيقا الرصينين في ضوء هذه الوضعية أن نحتفظ بمصطلح التأويل لفهم مؤلفات خطابية مدونة كتابة أو محفوظة في آثار ثقافية .
..
.

20/04/2008

الحب الأولاني

ما كنت أعرف عنها شي
إلا مجرد إني أشوفها من بعيد أيام ما كنت بالجامعة
حالها حال مثيلاتها وزميلاتها الباجين
وفي يوم من الأيام صادفتها وجها لوجه
وكان اللقاء الأول بيني وبينها
ما كان طويل ولا كان قصير
بدون كلام
لكن عيني كانت بعينها
ما أدري شقول لكم
سرحت بعييييد وانا أشوفها
وبكل صراحة نظرتها لي كانت عن مليون كلمة
حسيت إنها تبي تتكلم بس ما تقدر
ونفس الشعور عندي
ومن بعد هاليوم
كنت بس أدخل الجامعة
حتى لو ما عندي دوام
ألاحظها أدورها وينها ؟ مني مناك ؟
وإذا شفتها لا شعوريا تطقني البوهه وأسرح معاها
أتخيل نفسي وانا معاها
وتكون حقي مقي انا مو حق غيري
وصراحة قمت أغار حتى من اللي معاها
لدرجة إني ساعات أحاول أمشي يمها بدون هدف
بس مجرد أبيها تلاحظني
ترى انا موجود
واهيا بالنسبة للناس ما فيها زود
لكن بالنسبة لي
فيها اللي مو موجود في غيرها
ما أدري شنو يسمونه
لكن المثل يقول : لا حبتك عيني
في هالفترة رحت حق الوالد
والغريب ان مو الوالدة
قلت له
بابي بابي عاوزها
قال : منو هذي ؟ من بنته ؟
قلت له : ما أدري بس شفتها بالجامعة
قال : استخفيت ؟
قلت له : تعال شوفها ومستحيل ما توافقني الراي
قال : يالله باجر أروح معاك
وفعلا رحنا هناك
ودخلت قلبه من أول نظرة
وشريناها على أقساط
وكانت وما زالت سيارة حبيتها من كل قلبي
الله يحفظها لي
قولو آمين
D:

07/04/2008

منوعات ..



موسيقى تصويرية من توزيع عاصم البني
.
موسيقى أندلسية مطورة (1)
.
موسيقى أندلسية مطورة (2)
..
تلبية تركية جماعية
ساوند تراك لفيلم مملكة السماء
.
موسيقى حزينة ومبكية
.
موسيقى شرقية (1)
.
نشيد وموال ربي قد عودتني - أبو دجانة

.
وهناك المزيد والفريد
في المرات القادمة باذن الله
تم إضافة مقطعين
وكواليتي ما تحصلون مثله
:)

22/03/2008

جنّة الروح



بِمناسبة الغزُو الأبْيض على فروَةِ رأسِي ، وَتزايدِ أعدادِ الشّيبِ في رأسِ شابْ في مُقتبلِ العُمر ، وَجدتّ أنّهُ مِنَ المُناسِبِ أنْ أدوّن هذِهِ القصيدة ، لعلّها تكونُ مُناسِبة لِهَذا الحَدَث الجَلل ، والسّببُ الآخر هُوَ إعْجابِي بِهذِهِ القصيدةِ الرّائِعة لِلشّاعِر الرّائِع عاطِف عُكاشه ، وَهِيَ الدّرةُ الثّانية له ، والتي أنثُرُها لكُم هُنا لعلّها تنال على إعجابكم :


لا تَسْألِي لِمَ شِبْتُ قَبْلَ أوَانِي
قَدْ شَيّبتنِي وَطأةُ الحَدَثانِ

مَا مَرَّ يَومٌ مُذْ عَرَفْتُ طُفولَتِي
إلاّ وَجَدّدَ ليْلُهُ أشْجانِي

أمَّا النَّهارُ فَفِي أقَلَّ قَلِيلِهِ
نُوَبٌ تُشيِّبُ أصْغَرَ الوِلدانِ

وأتَيْتِني فَمَلأتِ عُمْرِي بَهْجَةً
وَجَعَلتِهِ أنْدَى مِنَ البُسْتانِ

فَعَلِمْتُ أنَّ السَّعْدَ بَعْدَ غِيابِهِ
قدْ جَاءَ مُشتاقاً إِلى أحْضانِي

وَعَرَفْتُ أنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ سِوَى
فِي الحُبِّ سِرَّ سَعادَةِ الإنْسَانِ

طابَ الزَّمَانُ كأنَّ حُبَّكِ سَاحِرٌ
بِي طارَ مِنْ عَصْري لِعَصْرٍ ثانِ

فَلقدْ مَحا أثرَ المَصائِبِ كُلِّها
وَاجْتثَّ مَا زَرَعَتْ يَدُ الأحْزانِ

وَرَأى الشَّدائِدَ فِي الحَياةِ تَهُزّهُ
فأعَادَ رَسْمَ خريطةِ الوِجْدانِ

لَمْ يَبْقَ لِي أمَلٌ أُريدُ نوَالُهُ
إلاّ طَوَى الآفاقَ كيْ يَلقانِي

إنْ كُنتُ أحْلُمُ فاتْرُكيني غَارِقاً
فِي عَالَمِ الأحْلامِ طُولَ زَمَانِي

فَالقلْبُ يَسْبَحُ فِي بِحارِ سَعادَةٍ
وَالرُّوحُ ترْتعُ فِي نَعيمِ جِنانِ

وَكأنَّ حُبَّكِ قدْ أعادَ صِياغتي
لِأرَى بِعيْني قُدْرَةَ الرَّحمَنِ

مَنْ ظنَّ أنَّ اللهَ يُعْصى بِالهَوَى
فهواكِ أنتِ يَزيدُ مِن إيمَانِي

مَا أبْصَرَتْ عَيْني أجَلَّ سَعادَةً
فِي الكوْنِ مِن قلبَيْنِ يَأتلِفانِ

يَتقاسَمانِ الهَمَّ حَتَّى يَنجَلي
وَالسَّعدُ بَيْنَ يَديْهِما سَعْدانِ

مَزَجَ الهَوَى القلبَيْنِ حَتَّى أصْبَحا
قلْباً يَعيشُ بِنبْضِهِ جَسَدانِ

تمَّ امْتزاجُهُما فمَهْما يَضْرِبا
فِي الأرْضِ فالرُّوحَانِ تلْتقِيانِ

مَا أجْمَلَ الحُبَّ الذّي فِي حِضْنِهِ
شَهِدَ الوَرَى رُوحَيْنِ تمْتزِجانِ

22/3/2008

13/03/2008

من وحي الخيال 3



رِحلةُ الفَتى طرثُوث .. فِي البَحثِ عَنِ الحَقيـقة .. 3
.
فَاجأتْهُ سُلاف بِالحُضُورِ إلى القَرية مَعَ أخِيهِ مَحْروس مِنْ مَدينةِ خُنفسانِسْتان وهُما يطلبانِ الأمانَ مِنْ دِربَاس ، لأنّ مَجموعَةً مِنَ الرِّجالِ كانَتْ تُلاحِقُهُم سَعياً ورَاء إرْغامِهِم على العَودَة ، فَبَادَرَ طرثُوث " عِكْرة الضَبّ " بِأخذِهِم إلى الحُقولِ المُجاوِرَة التّي كانَت بِالقُربِ مِنْ القَريَة التّي هُوَ فِيها ، وفِعلاً اسْتطاعَ أنْ يَختَفي عَن الأنْظار وَمَعهُ سُلاف ومَحروس ، حَيثُ قالَ دِرباس للرّجالِ أنّهُ لمْ يَرَ أحداً جاءَ إلى القَريَة وقالَ لهُم أنّهُ لا يَسمَحُ بِبِقاءِ الغُربَاء فِي هذِهِ القَريَة ، وفِعلاً عادَ الرِّجالُ مِنْ حيثُ أتوا وَانتَهى الحَالُ إلى ذَلِك ، فَقالَ طرثُوث لِمحروس : أيّها المَجنُون مَا الذّي فَعلته ؟ ألمْ نَتعاهَد على أنْ تَبقَى فِي المَدينة مِثل الرّجالِ الرّاشِدين ؟ وأنتِ يا سُلاف لِماذا خَرَجْتِ عَن طَاعَةِ أبيكِ ؟ ما الذّي جاءَ بِكِ إلى هُنا ؟ أخبِروُني مَا الذّي جَاءَ بِكُم ؟
.
قالَت لهُ سُلاف : نَقطَعُ كُلَّ هَذِهِ المسَافةِ ونُعَرّضُ أنْفسَنا لِلخَطرِ والإقْصاء مِنْ أهلِ المَدينَة فَتسْتقبِلنا كلمَاتَكَ بِالعِتاب ؟ ألا يَستحِقّ كل هذا العَناء أنْ تَسألَ عَن حالِنا وتَطمَئنّ عَلينا بَدلاً من هُجومِكَ عَلينا وَكأنّنا حِملٌ ثقيلٌ عَليك ؟ ألاَ يَسُرّكَ أنْ يَكونَ مَحروس إِلى جَانِبك ؟ ألا تَسُرّكَ رُؤيَتي يَا طرثوث ؟ فقالَ طرثُوث وهوَ يُحاوِلُ أنْ يَكون أكثرَ هُدوُءاً : يَا سُلاف إنّك بِالنّسبةِ لِي أغلى مِنَ الرّوح وأخِي مَحرُوس هوَ مَا تبقّى لِي مِنْ أهلِي فَكيفَ لا يَسُرّني ذلِك وَلكن لِمَ كُلّ هذِهِ المُجازَفة ؟ أنا عَزمْتُ عَلى الرّحيل حَتّى لا يَأتِي وُجوُدي عَليكما بِشيْءٍ يَضُرّكم ، كنتُ آمَلُ بِحيَاةٍ تَحفظِينَ بِها نفسَكِ وَتُطيعينَ بِها وَالِدكِ ، لا أنْ تَخرُجي عنْ طاعَتِهِ وَتجْعَلين النّاسَ فِي المَدِينةِ تتكلّم فِي سُمعَتِهِ وَسُمعَةِ ابْنتِهِ ، فرَدّ عَليهِ مَحرُوس : لقد تُوُفّيَ وَالِدُ سُلافٍ يَا طرثوث ، لقدْ اسْتولى أخُوه الأكبَر عَلى كُلّ أمْوَالِها التي وَرِثتَها مِن أبِيهَا ، بَلْ وأصَرّ على تَزويجِ سُلاف مِنْ أحَدِ أصدِقاءِهِ الفاسِدِين ، لقدْ طغَى عَلى أهْلِهِ وَجارَ عليْهِم ، فَما كانَ مِنّي إلا أنْ آتِي بِسُلاف إلى هُنا ، فلقَد أوْصَيْتنِي فِيها خيْراً .
.
احتارَ طرثُوثُ وَواسَى سُلاف لِفقدِها وَالدها ولِما جَرَى لهَا في المَدينة ، وأخَذَ يُفكّرُ فِي مَا حَدَثَ ، فَمَا بيْنَ ليلةٍ وَضُحاها تنقلِبُ الأمُور رَأساً عَلى عَقِب ، والمَسار الذي أعدّهُ وَمَشى فِيهِ تغيّرت حَواضِرُهُ وَبَوادِيه ، وَما عادَ الأمْسُ حُطامُ ذِكرى وما عَادتْ الذّكريَاتُ مُجَرّد دَوارِسَ وَأطلال ، بلْ هُوَ المَاءُ الذّي نَزلَ عَلى كُلّ ذِكرى هَامِدة ، فاهتزّت وَرَبَت وَعَادَت لِلحَياةِ كمَا تعُودُ الرّوحُ فِي جَسَدٍ يُنازعُ مَا بَينَ الحَياةِ وَالمَوت ، فعَادَ بِهمْ إلى مَنزِلِ دِرباسَ الذي كانَ يَقولُ لطرثُوث : يَا بُنَيّ إنّما هِيَ هدايا القدَر ، وَما دامَت الأرْواحُ اتّصَلت بِبَعضِها عَلى خيْر ، فسَيَجمَعُها الرّحمنُ إذا شَاءَ على خيَرٍ فِي الدّنيا وَالآخِرَة ، وَمَن ترَكَ شيْئا لله عَوّضهُ الله خيراً مِنهُ ، رُبّما أرَدّتَ أنْ تكونَ بَعيداً عَن حُبٍ يَشغَلكَ عَن بَحثِكَ وَطلبِكَ لِلحقيقة ، وَلكنّهُ اليَومَ يَأتِيكَ وَيشدُّ مِن أزرِكَ فِي طريقٍ أرَدّتَ أنْ تسيرَ فِيه بَلْ وَنذرتَ نَفسَكَ إليْهِ ، هَذِهِ بِضاعَتُكم رَدّتَ إليْكم ، رَدّ عليه طرثُوث : لقد كُنتُ مِمّن كان يَسْعى إليهِ فيُعيينِي تَطلّبُهُ ، وَها أنَذا هُنا يَسعى إليّ دونَ عَناءِ ، لقدْ استَضفتني يَا دِرباس بِكرمِكَ وَعِلمِكَ وَحِكمَتِكَ ، وَكُنتَ لِي بِشارَة خَيرٍ وَلن أنْسِى صَنيعَك هذا ، سَنلتقي فِي يَوم من الأيام ، وجميلك هذا سيظل في عنقي إلى آخر يوم في حياتي .
.
غادروا جميعا هذه القرية ، وكان طرثوث أشدهم فرحا وكان يبدو عليه ذلك ، فلا تزال عيناه لا تفارق وجه سلاف ، وكانت تقول له بكل خجل وحياء : الطريق يا طرثوث ، فإن ضللنا الطريق ستأكلنا السباع في ليلتنا هذه ، وكان محروس يرى ذلك دون أن يلقي له بالا ، فلقد كان يشعر بالفرق لحظة توديع طرثوث من المدينة وبين ما يراه اليوم ، لقد كان الحب جاذبا قويا لهما ، فلم تكن المسافة أو الزمان حاجزا بينهما ولكن كانت دافعا لأن يلتقيا في الزمان المقدر والمكان المقرر، هكذا سيرة العشاق الذين قرأنا سيرتهم ، لقد كان العشق رابطا من روابط الحياة التي لا تفنى ولا تموت ، وإنما تمتد من الأرواح العاشقة إلى حيث لا تنتهي تلك المنزلة ، ربما يجد الناس صورا كثيرة عن العشق ولكن من الصعب أن يجد العشق ذاته ، ذلك العشق الذي يجعل من مضغة الجسد مجرة من مجرات الكون تدور حولها نجوم السماء وأجرام الفضاء بعدد لا يحصى من ذرات المحبة التي تملأه بالغرام والعشق والأنس بالمحبوب .
.
ذلك هو الحلم الذي كان يراود طرثوث في المنام ، فلقد أيقظه أذان الفجر ليلتفت إلى يمينه وشماله محاولا التثبت من الحقيقة التي أفسدت عليه ذلك الحلم الجميل ، فلم يجد محبوبته سلاف ولا شقيقه محروس بجانبه ، وكان عقله الباطن يرسم له صورا من الخيال عما يشغل تفكيره ، فابتسم طرثوث وقال في نفسه : يكفيني أنها زائرتي في المنام ، ومؤنستي في الأحلام ، عندها أتاه درباس ليقول له : صاحي صاحي ، لقد أذن الفجر ونادى حي على الصلاة قم وتوضأ وتعال معي إلى المسجد القريب ، فبعد الصلاة سنلتقي بالشيخ محفوظ لعله ينفعك بما تسمع منه ، ولا تدعه دون أن تسأله فإنه رجل ذو علم وحكمة ومشهود له بالخير والصلاح ، فقال طرثوث وهو مشتت الذهن : أجل أجل ، سألحق بك إن شاء الله سألحق بك .
.
ذهب طرثوث إلى المسجد وصلى صلاة الفجر في جماعة وبعد أن انتهت الصلاة جلس يستذكر ما رآه في المنام ، ثم قطع عليه درباس ذلك ليدعوه إلى زاوية المسجد حيث الشيخ محفوظ جالس وحوله مجموعة من الناس ، فانفض الناس من حوله واقترب درباس منه وقال : هذا هو طرثوث الذي أخبرتك عنه قبل الصلاة ، إنه طالب علم ومحب للحكمة ، وإنه في طريقه إلى بلاد العجائب ، فقال الشيخ محفوظ : أهلا بك يا بني وإنه ليسرني أن ألتقي بهمة الشباب التي تعيد لي ذكريات الزمن الجميل ، هل لديك حاجة فنقضيها لك ؟ أو سؤال فنجيبه لك ؟ أو مسألة فنعينك عليها ؟ فقال طرثوث : لقد راودني الليلة حلم كذا وكذا ، ولقد استمرت أحلامي ورؤاي على هذه الحال ، فبماذا تجيبني وبماذا تنصحني أيها الشيخ الجليل ؟
.
فقال له الشيخ محفوظ : إنك تركت شيئا من روحك هناك ، ولقد يأتيك خبرها في المنام ، إن الحلم الذي رأيته البارحة يخبرك بندم وحسرة والد محبوبتك ، كما يخبرك بشديد اشتياقها إليك ، ويخبرك بأن أخاك يحفظ عهدك قدر استطاعته ، يا بني إن النفس بسيطة ذات شرف وكمال ، عظيمة الشأن ، جوهرها من جوهر البارئ عز وجلّ ، وهذه النفس لا تنام البتة لأنها في وقت النوم تترك استعمال الحواس ، وتبقى محصورة فتعلم كل ما في العوالم وكل ظاهر وخفي ، ولو كانت هذه النفس تنام ، لما كان الإنسان – إذا رأى في النوم شيئا – يعلم أنه في النوم ، بل لا يفرِّق بينه و بين ما كان في اليقظة .
..
وإذا بلغت هذه النفس مبلغها في الطهارة ، رأت في النوم عجائب الأحلام ، وخاطبتها الأنفس التي فارقت الأبدان ، وأفاض عليها الباري من نوره ورحمته ، فتلتذُّ حينئذ لذة دائمة ، فوق كل لذة تكون بالمطعم و المشرب والنكاح والسماع والنظر والشم واللمس ، لأن هذه لذَّات حسية دنسة تعقب الأذى ، وتلك لذة إلهية روحانية تعقب الشرف الأعظم ، والشقي المغرور الجاهل من رضي لنفسه بلذات الحس ، وكانت هي أكثر أغراضه ، ومنتهى غايته ، وإنما نجيء في هذا العالم في شبه المعبر والجسر الذي تسير عليه السيارة ، ليس لنا مقام يطول ، وأما مقامنا ومستقرُّنا الذي نتوقع فهو العالم الأعلى الشريف ، الذي تنتقل إليه نفوسنا بعد الموت ، حيث تقرب من باريها ، وتقرب من نوره ورحمته .
.
سمع طرثوث لنصح الشيخ محفوظ وهو مشدوه مشدود ، تام التركيز ومتوافق الفكر مع نظرة الشيخ محفوظ للأحلام ، فطرثوث كان لا يكترث كثيرا بتفسير ما تخبره النفس لحظة المنام وما يحدث له ، لكن بعد تعلق الروح بشيء أصبح يشعر بصلة غريبة تجمعه مع الروح التي اتصل بها ، حتى أنه في أتم اليقين أن التقاءه بسلاف لم يكن مجرد أضغاث أحلام ، بل هي حقيقة مكنت له التواصل معها في لحظة انعتاق روحه من الجسد في وقت النوم وهروبها إلى مستقرها ومستودعها وموطنها الذي تحيا به في سعادة وتعيش بها في نعيم ، ثم شكرالشيخ على نصحه الذي خفف من حيرته وظنونه وذهب إلى بيت درباس حتى يجمع أمتعته ويستعد إلى الرحيل ، ولكن قبل أن يجهز أمتعته أراد درباس أن يودعه وينصحه فقال له : يا بني اعلم وأنت في بداية رحلتك الموفقة بإذن الله ، أنك على الحق ما دمت في طلب العلم والبحث عن الحقيقة ، وإن كنت لي من السامعين فإني أنصحك بأن تكمل طريقك إلى وجهتك التي أردت فإن الإنسان إذا شغلته أهواءه عن تحصيل العلم والمعرفة ، فسيبقى في حسرة وندم ما دام الوصل بالمحبوبة يستحيل عليه ويصعب مناله ويشقى عليه ، أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه .
.
النهاية
BOMSA3D

11/03/2008

طموحات بجْماليون


يُحكى أنّ " بِجْمالْيُون " - فنّان يُوناني قديم - نَحَتَ تِمثالاً لإمرأةٍ مِثاليةَ الجَمَالِ والصّفات ، وَعاشَ يَحلُمُ أنْ تدبَّ رُوحُ الحياةِ في هذا التِّمثال ، لِتكونَ إمرأة مِثالية الأخْلاقِ أيضاً ، وَحينَ تيقّنَ مِن اسْتحالةِ تحقّقِ حُلمِه ، حطّمَ بِيديْه التّمثالِ الذّي عَشِقه ، ثمّ ماتَ حُزناً على تِمثالِه المَفقودِ وعلى حُلمِه الضّائِع ، فسمّيت هَذهِ القصيدة " طموحات بِجْماليون " وعَلى سِياق قِصّتهِ كُتبت هذهِ القَصيدة وهيَ مِن روائِع الشّاعِر الإسْلامي عَاطف عكاشه يقولُ فيها
.
إنّي زَرَعْتُـكِ في حَدائِقِ خاطِري
وَجْهاً لِمَمْلكةِ الجَمالِ السَّاحِرِ

وَجْهاً يَشِنُّ على نُحُوسي غَارَةً
شَعْواءَ تُرجعُني لِمَجْدي الغَابِرِ

وَيُعَلِّمُ الأفْراحَ كيفَ بَعِيدُها
يَسْعَى إِليَّ على جَنَاحَيْ طائِرِ

إنِّي انْتَخَبْتُـكِ مِنْ عُصارَةِ كَرمَتي
كأساً تُهَدّيءُ مِنْ جُنُونِ مَشاعِري

كأساً تفَجَّرَ في دِمائِي ثَوْرَةً
تَقْضي عَلى سُلطانِ حُزْنِي الجَائِرِ

وَيَكونُ فِي ليْلِي الطّويلِ حَبَابُها
شَرَكَ اصْطِيَادي لِلرُّقادِ النَّافِرِ

إنِّي جَعَلْتُكِ في مَدارِ كَواكِبي
شَمساً تُنيرُ دُروبَ قَلبِي الحَائِرِ

شَمْساً قُلوبُ العَاذِلينَ وَقُودُها
وَتَهابُها عَيْنُ الرّقيبِ المَاكِرِ

لمْ تَدْرِ مَا مَعْنى الغُروبِ وَضَوْؤُها
قَبْلَ الشّروقِ يَكونُ طَوْعَ نَوَاظِري

فَلْتَحْفَظي حُلَلاً عَليْكِ خَلعْتُها
فَنِّي بِها فِي الأرْضِ أوّلُ ظافِرِ

وَلتَحْذَري غَضَبي عَليْكِ فَكُلُّ مَا
تَحوينَهُ مَا زالَ رَهْنَ خَوَاطِري

يَا مَنْ يُصَدِّقُ أنَّ مُعْجِزَتي التِّي
هِيَ في سَمَاءِ الفَنِّ كُلُّ ذَخائِري

بِيَدي أحَطِّمُها وَكُـلُّ جَوَارِحي
تَبْـكِي أمَامَ حُطامِها المُتَنَاثِـرِ

هَيْهاتَ يُرجِعُكِ التَأسّفُ والبُكى
يَا مَنْ مَرَرْتِ بِنا كَحُلْمٍ عَابِرِ

تِمْثَالُكِ المَفْقودُ لِلأُنْثى التّي
حَسُنَتْ بَواطِنُها كَحُسْنِ الظّاهِرِ

سَيَظلُّ فِي كُلِّ العُصُورِ وُجُودُهُ
حُلُماً يُراوِدُ كُلَّ قَلبٍ طَاهِرِ

وَيَظَلُّ طَيْفُكِ كُلَّ ذُخْري بَعْدَ أنْ
سُدِلَ السِّتارُ عَلى خَيَالِي الثَّـائِرِ

أمْشِي وَطَيْفُكِ فَوْقَ كِتْفِي بَاحِثاً
عَنْ مَهْرَبٍ مِنْ وَجهِ حَظّي العَاثِرِ

إنْ ضَاقَتِ الأرْضُ الفضَاءُ وَجَدّتِنِي
بِكِ مُبْحِراً فَوقَ السَّحابِ المَـاطِرِ

قَلبِي الوَفِيُّ وَإنْ جَحَدْتِ وَفَـاءَهُ
مَـا زالَ نَادِرَةَ الزَّمَانِ الغَــادِرِ

>
BOMSA3D

:)

05/03/2008

من وحي الخيال 2


رحلة الفتى طرثوث .. في البحث عن الحقيقة -2


في اليَومِ الذّي غادَرَ فِيهِ طرثُوثْ مَدينة خُنفسانِسْتان وهوَ يَحملُ مِنَ الهَمِّ ما لا يُطيق ، ومِنْ حيرةِ الظّنونِ التّي قَضَّت مَضْجَعَهُ آنـاءَ اللّيْـلِ وأطرافَ النّهار ، شَدَّ على سَاعِدِ أَخيهِ الأصْغَرِ مَحروس وقالَ لهُ : إنْ كانَتْ لكَ رغبَةٌ في البَقَـاءِ في هذِهِ المَدينَةِ فلنْ أسْتَطيعَ إرْغامَكَ على الرّحيلِ مَعي ، ولَقَد يَعِزُّ عليَّ أنْ أودَّعَ شَقيقيَ الوَحيدْ الذّي بَقيَ لِي مِنْ أهْـلي ، وأوصِيكَ ونفْسي بِأنْ تُراقِبَ اللهَ في سَكناتِكَ وحَرَكاتِكَ فَما زِلتَ يافِعاً والأيّامُ مليئَةٌ بِمَا يَسُرّكَ مِنْها ومَا لا يَسُرّ ، سَأرْحَلُ حتّى لا أكونَ سَجيناً لأحْلاميَ التّي لنْ أنالَ مِنْها سِوى لوْعَةِ الذّكرى وغصّاتِ الحَنين ، لا تبْخلُ عليَّ بِأخبارِكَ وأخبارِ مَنْ تَركتُ لهَا قلبِيَ الذّي يَنْبِضُ بالعِشْق ، وروحي التّي تَرْفُـلُ بالمَحَبّه ، عِدْني بِذلكَ يا مَحْروس !!
.
كانَ لِهذِهِ الكَلِماتِ وَقْعٌ كبير في نَفْسِ الطّفلِ الألْمَعِيِّ مَحروس ، الذّي لمْ يَتَجاوَز عُمرُهُ العَشْرَ سَنوات ، وهوَ يُودِّعُ أخَاهُ الأكْبَر ويَبْدأ حياةً جديدة يَعتَمِدُ فيها على نَفسِهِ فَقالَ وهوَ يُمسِكُ بِيَدِ طرثوث والدّمعُ يُزاحِمُ جَفْنَيْه : وإنّي لَيَعُزُّ عليَّ يا أخي أنْ تُفارِقَني وأنتَ بهذِهِ الحَال ، وإنّي لأدْعو اللهَ أنْ يَرزُقَكَ ما تصْبو إليه ، فلقَد عِشْنا سَويّاً في هَذِهِ المَدينةِ ونَحنُ في كلِّ فَجرٍ جدَيد نُعاهِدُ أنفُسَنا بأنْ يكونَ يوماً أفضَلُ منْ ذِي قَبْـل ، وعَن نَفسي فَلنْ أبخَلَ عليكَ بالمَسِجاتِ وعنْ أخبارِ المَدينة وكُلَّ منْ تركتَ لهُم بَقايا مَشاعر أو أطلالُ ذِكرى ، هُنا تعانَقا والدّمْعُ يَهْمي مِنْ مُقلَتيْهِما فَهيَ المَرّة الأولى التّي يَفْترِقانِ فِيها ، لكنْ في ذلكَ العَصْر كانَ العَمَلُ على بِناءِ الذّاتِ واعْتِمادُ الشّابِّ على نَفْسِهِ وبِناءُ كَيَانِه هوَ دليلٌ على رُجُولةِ الشّابْ وبِناءُ كَيانِه الشّخْصي ، لا سِيما في مُجتَمَعٍ مَدَنيّ بَسيط لا يَعيشُ فِيهِ إلاّ الأقْوياء فَخفّفَ ذلكَ مِنْ حِدّةِ الفِراق ، بَلْ أصْبَحَ ذلكَ دافِعاً لِمُواجَهَةِ الحَياةِ مِنْ جَديد ، والعَمَلُ على إحْياءِ الطّموح ومُمارَسَةِ التّحدّي للوُصولِ إلى أمنِياتٍ تسْتَحِقُّ العَنَاء ..
.
أرادَ طَرثوث أنْ يُوَدِّعَ مَليحَةَ الحُسْنِ وآيَةَ الجَمَال "سُلاف" النَّبْتُ المَلائِكِيِّ في التُّربَةِ الشَّيْطانِيَّة ، لأنَّ سُلاف بالنّسبَةِ إليْه حازَت صِفات النّفْس التّي تَرقى إلى دَرَجةِ العَالم المَلائِكيِّ حيث يَعيش الطّهْرُ والجَمَال بأسْمَى صُورَةٍ وأرْقى مَنظَر ، ولكنّها نَبَتَت في تُربَةِ أبيها الذّي وَرِثَ منَ الشّيْطانِ كِبرَهُ وغُرورَه ، وأخَذَ مِنَ العَالمِ الإبْـلِيسيِّ دَنَاءَةُ الحِيلة وخُبثُ المَكيدة ، حتّى يُشبعَ الطّمع في نَفسِه وتَتَغذّى أوْرِدَةُ الجَشَع في دَمِه ، مَرَّ طرثوث عِندَ دارِها وهُوَ آسِفٌ لِحالِهِ مِنْ شِدّةِ ما كانَ يُقاسِيه في ليَالي البُعد والتّنَائِي ، لمْ يَكُن باسْتِطاعَتِهِ تَجاوُز هَذِهِ التّجْرُبة لوْلا إيمَانَه العَميق بِأنَّ الصِّدقَ لا يَموت وأنّ المَشاعِر الطاهِرَة تَبقى ثِيابُ زينَةٍ لا تَبْـلى مَهْما تَقادَمَ الزّمانُ عليْها .
.
بَعدَ ذلكَ امْتطى جَوادَهُ الذّي أهْداه له أحَدُ الأغْنِياء عِندَما كانَ يَعملُ في اسْطبلِهِ قاصِداً عاصِمَةَ الثّقافَةِ في عَصرِه ، بِلادُ العَجائِبْ التّي لَطالَمَا حَلُمَ بِزيارَتِها لِما سَمِعَهُ عنْ هَذِهِ المَدينَة مِنْ رِيادَةٍ ونُضوجٍ فِكريّ لِكلِّ باحِثٍ ولِكلِّ طالِبِ عِلم ، فَمدِينةُ خُنفُسانِسْتان تَبْعُدُ عنْ بِلاد العَجائِب ما يَربو عنْ الألفِ فَرْسخ سَيقطعُها طرثُوث في شَهْرٍ أو شهْرين ..
.
مَرَّ وهوَ في الطّريقِ على قَريَةٍ صَغيرةٍ يَعمَلُ مُعظمُ سُكانِها في الزّراعَة ، فأرادَ أنْ يَستَريحَ بِها لَيْلتهُ هَذِهِ حتّى يُكمِل في الفَجرِ رحلتَهُ الشّاقة إلى بِلادِ العَجائِب ، فَباتَ الليلة عِندَ رَجُلٍ يُدعى دِرْباس بن مِكناس وهوَ رَجلٌ شَهْمٌ كريم كانَ يَعرِفُ طرْثوث منْ قَبْل وهوَ رجلٌ في العِقدِ الخَامِس منْ عُمره ، أخَذَ طرثوث يُحاوِرُهُ في ما كانَ لديْهِما مِن وَقت بَعدَ وَجبةِ العَشاءِ المُتواضِعة فَقالَ له : هلْ سَمِعتَ بِالفارابي أيّها الشَّيخ دِرْباس ؟ فقال له : يا بُنّي لقَد جَاءَت إليْنا أخبارَهُ وَوَصلت إليْنا بَعضُ رَساِئلِه ولقدْ كُنتُ أتمنّى أنْ أراهُ حتّى أحدّثهُ عنْ مَسائِلَ كثِيرة ، فَرَدّ عليهِ طرثوث : حقاً ، لقدْ سرّني ذلك وإنّي لأرْجُو أنْ أصِلَ إليه ، فقالَ دِرباس بعد أن عدّلَ من جَلستِه : هلْ أنتَ طالبُ حِكمة ؟ أوَ سَفَرُكَ هَذا بُغْيَةَ تَحْصيلِ العُلوم ؟ فَقالَ طرثوث : نعم إنه كذلك ، لقَد أرْهَقتنِي الحَياة أيُّها الشَّيخ وصَعُبَت عليَّ حَوادِثُها فَرأيتُ أنْ أفْهَمَ نَوامِيسَها وأتَعَرَّفُ إلى حَالاتِها وأجِدُ ما لمْ يَجِدهُ انْسانٌ قَبلي فَتَحلو الحَياةُ ويَزْدانُ العَالمُ إنْ أبْحَرتُ في مُحيطاتِهِ وغُصْتُ في أعْماقِه فردَّ عَليْه دِرباس وقال : إنْ كُنتَ كذلك ، فَاسْمَع ما أقُولُهُ لكَ ، يَقولُ الفَارابي : إنَّ الذّي سَبيلُهُ أنْ يَشْرَعَ في النَّظَر- أيْ الفَلسفَة - يَنْبَغي أنْ يَكونَ لهُ بِالفِطرَة اسْتِعدادٌ لِلعُلومِ النَّظريّة ، وهيَ الشّرائِطُ التّي ذَكرَها أفْلاطونُ في كِتابِهِ في السّياسَة يقول : أولاً أنْ يَكونَ جَيّدَ الفَهمِ والتّصورِ لِلشّيء وللشّيءِ الذّاتيّ ، ثُمّ أنْ يَكونَ حَفوظاً وصَبوراً على الكَدّ الذّي يَنالُهُ في التّعلمِ وأنْ يَكون بِالطّبعِ مُحباً للصّدقِ وأهلِه ، والعَدلِ وأهلِه ، غَيرَ جَموحٍ ولا لَجوجٍ فيمَا يَهْواه ، وأنْ يَكونَ غَيرَ شَرِهٍ على المَأكولِ والمَشروبِ ، وتَهونُ عليْهِ بِالطّبعِ الشّهواتُ والدّرهَمِ والدّينار ومَا جَانَسَ ذلك .
.
وأنْ يَكون كَبير النّفسِ عمّا يُشينُ عِندَ النّاس ، وأنْ يَكونَ وَرِعاً سَهلَ الإنْقِيادِ للخَيرِ والعَدلِ ، عَسرَ الإنْقِيادِ للشّرِ والجُورِ ، وأنْ يَكونَ قويَّ العَزيمَةِ عَلى الشّيءِ الصّواب ، ثُمّ بَعدَ ذلكَ أنْ يَكونَ قَد رُبّيَ على نَوامِيسٍ وعَلى عَاداتٍ تُشاكِلُ مَا فُطِرَ عليه ، وأنْ يكونَ صَحيحُ الإعتِقادِ لآراءِ المِلّةِ التّي نَشَأ عليْها مُتمَسّكاً بِالأفعَالِ الفَاضِلةِ التّي فِي مِلّتِهِ غَيرَ مُخِلٍ بِكُلِها أو بِمُعظمِها ، وأنْ يَكون مَعَ ذَلكَ مُتمَسّكاً بِالفَضَائِلِ التّي هِيَ في المَشهُورِ فَضَائِل ، غَيرَ مُخِلٍ بِالأفعَالِ الجَميلةِ التّي هِيَ في المَشهُورِ جَميلة ، هكَذا يَجِبُ أنْ تكون يا بُنَيّ ، قالَ طَرثوث بَعدَ أن حازَ من الحكمةِ نفيسَها : لقَد هَزَزْتَ بِجذع النّخلة يا دِرباس فاساقَطَت رُطبَاً جَنيّا ، لكَأنّمَا نبض لي عِرقُ الفَهم ، ودرَّ لِي شِريانُ العِلم ، وقَد كُنتُ أظُنّ بِأنّ قليل الإلتِماحِ مِنَ النّظَرِ يَزيدُني ، ويَسيرُ المُطالَعَةِ مِنَ الكُتُبِ يُفيدُني ، فَبَعدَ كلامِكَ هذا انْهالَت ليَ العَجائِب ، كما انْهالَت عَليَّ الرّغائِب ، وما علِمتُ بأنّ ذلِك يَتَطلّب كلّ ما ذَكَرت !!
.
قالَ دِرْباس : أُريدُكَ يا بُنَيّ أنْ تَخلُدَ للنّوم فَجهدُ السّفرِ يَبدوعَليْك ، وسَتكونُ لنَا بِإذن الله جَلسةٌ أخرى عِندَ الفَجر لَعلّ الحَديثَ يَطول ولَنْ تَترُكنا شَهّيةُ الأسْئِلة ومُتعة الحَديث من أخْذِ الرّاحَةِ ، نوماً هانِئاً يا بُنَيّ ، قالَ طرثوث : مَا زالَ اللّيلُ يَحلو بِحديثِكَ يا دِرْباس ، وإنّ هَذِهِ اللّحظات كُنتُ لأشتريها حِينَ كُنتُ في خُنفُسانِسْتان ، فَلقدْ أنْفَقتُ مَا أملِك دونَ تحصيل وأردّتُ حِيازَة الكثير دُونَ جَدْوى ، فَحَالَ بَيني وبَيْنَ مَا أُريد قَضَاءَ اللهِ وقدَرَه ، سَأخبِرُكَ بالمَزيدِ عِندَ الفَجرِ بِإذنِ الله .
.
سنكمل عند الفجر
BOMSA3D
:)